عباس حسن

620

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

وأما « كأنّ » فيجوز تخفيف نونها المشددة ( بحذف الثانية المفتوحة ، وإبقاء الأولى ساكنة ) ويترتب على التخفيف أمور ؛ منها : ( ا ) أن معناها لا يتغير ، وإعمالها واجب . ( ب ) أن اسمها - في الأغلب - يكون ضميرا للشأن ، أو لغير الشأن ؛ فمثال الأول . كأن عصفور سهم في السرعة « 1 » ، أي : كأنه ( الحال والشأن ) عصفور سهم . ومثال الثاني : يدقّ البرد « 2 » النافذة ، وكأن حجر ، أي : كأنه حجر « 3 » . ولو قلنا : يدق البرد النافذة وكأن « حجر » صغير يدق - لجاز الاعتباران « 4 » وقد اجتمعت المشددة والمخففة في قوله تعالى يصف المضلّل عن سبيله : ( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ؛ كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ) « 5 » . ( ح ) أن خبرها لا بد أن يكون جملة إذا وقع اسمها ضمير شأن « 6 » . فإن كانت اسمية فلا حاجة لفاصل بينها وبين « كأن » مثل : كأن سّبّاح في سباحته سمكة في انسيابها . وإن كانت فعلية « 7 » ، فالأحسن الفصل بالحرف : « قد » قبل الماضي المثبت ، وبالحرف : « لم » قبل المضارع المنفى ، نحو : كأن قد هوى الغريق في البحر ؛ كصخرة هوت في الماء ، وكأن لم يكن بين الغرق والنجاة وسيلة للإنقاذ .

--> ( 1 ) فاسم « كأن » ضمير الحال والشأن المحذوف . وخبرها الجملة الاسمية بعدها . ولا يصح هنا أن يكون اسمها ضميرا لغير الحال والشأن ؛ لعدم وجود مرجع سابق يعود عليه . ( 2 ) ما جمد من قطرات المطر ، وصار قطعا ثلجية صغيرة . ( 3 ) فاسم « كأن » ضمير محذوف ليس ضمير شأن ، لعدم وجود جملة بعده تفسره ، وهي جملة لازمة له كما سبق في شرحه - ص 226 وما بعدها - . ( 4 ) أي : يجوز اعتبار الضمير للشأن ؛ لوجود جملة بعده تفسره ، وعدم اعتباره للشأن ، لوجود ما يصلح قبله أن يكون مرجعا له . ( 5 ) الوقر هنا : ثقل السمع ، أو : الصمم . وأول الآية : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَيَتَّخِذَها هُزُواً ، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ . وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا . . . » ( 6 ) لأن ضمير الشأن - كما قلنا - لا بد له من جملة بعده تفسره . وهذه الحالة وحدها هي التي يجب فيها وقوع خبر : « كأن » المخففة جملة . أما باقي الحالات فيجوز أن يكون جملة أو غير جملة وفي بعض أمثلة قليلة مسموعة جاء اسم « كأن » المخففة اسما ظاهرا ، كقول الشاعر : وصدر مشرق النّحر * كأن ثدييه حقّان ولا يقاس على هذا . ( 7 ) فعلها غير جامد ، وغير دعائي .