عباس حسن
573
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
--> - ومن الأساليب الفصيحة المسموعة قولهم : « كأنك بالفرج آت ؛ وبالشتاء مقبل » . « وكأنك بالدنيا لم تكن ، وبالآخرة لم تزل » وقد تعددت الآراء في المراد . ومنها في الأسلوب الأول : التعبير عن قرب مجىء الفرج ، وقرب إقبال الشتاء . وفي الثاني خطاب متجه إلى المحتضير : كأن الدنيا لم تكن ( أي : لم توجد ) أو كأنك لم تكن بالدنيا ، لقصر المدة فيها في الحالتين ، وكأنك في الآخرة - تتوهم أنك لم تزل عن الدنيا ولم تبارحها . وقد اختلف النحاة كذلك في إعراب تلك الأساليب إعرابا يساير معنى واضحا ؛ ومما ارتضوه في الأسلوب الأول أن يكون معنى « كأن » هنا : التقريب . والكاف اسمها . وأصل الكلام . كأن زمانك آت بالفرج . ثم حذف المضاف ، وهو كلمة : « زمان » . أما الخبر فهو كلمة : « آت » مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة . والجار والمجرور : ( بالفرج ) متعلق بالخبر : ( آت ) . وبالشتاء - الواو حرف عطف ، والجار مع مجروره متعلق بكلمة : مقبل ؛ المعطوفة على كلمة « آت » السابقة ؛ فأصل الكلام : كأنّ زمانك آت بالفرج ، ومقبل « بالشتاء » . وارتضوا في الأسلوب الأخير أن يكون الخبر محذوفا فيهما . وجملة : « لم تكن » ، وكذلك جملة . « لم تزل » في محل نصب حال . والأصل : كأنك تبصر بالدنيا حالة كونك لم تكن بها ( لأنك تبصرها في لحظة مغادرتها ) وكأنك تبصر بالآخرة في حالة كونك لم تزل ( أي : في حالة لم تزل عن الدنيا ، ولم تغادرها نهائيا ) . وهناك إعرابات أخرى كل منها يساير معنى معينا ، فتختلف الإعرابات باختلاف المعاني التي يتضمنها كل أسلوب . ( راجع حاشية الصبان ج 1 عند الكلام على : كأن ) . ولعل الإعراب الواضح الذي يساير معنى واضحا في المثالين الأولين هو : افتراض أصلهما : كأنك آت بالفرج ومقبل بالشتاء ، وهذا مع مسايرته المعنى يفيد القرب الذي سيق الأسلوب شاهدا عليه . لأن المخاطبة دليل القرب . ولا مانع من اعتبار : كأن للقرب أو للشعيه . فإن كانت للقرب فمعناها ظاهر ، وإن كانت للتشبيه فالمراد « كأنك شخص أو شئ آت بالفرج ، ومقبل بالشتاء . فالمشبه به محذوف . وعلى هذا أو ذاك - « الكاف » اسمها : « آت » خبرها . ب « الفرج » جار ومجرور متعلق بالخبر . و « مقبل » « الواو » - حرف عطف « مقبل » معطوف على : « آت » . وب « الشتاء » جار ومجرور متعلق بكلمة : « مقبل » وما يقولونه في تأييد إعرابهم المخالف مردود وضعيف ( كالذي ورد في المغنى والتصريح وحواشيهما عند الكلام على : كأن ) . كما يصح في المثال الأخير : اعتبار كلمة « كأن » للتشبيه ( تشبيه المخاطب في هذه الحالة بنفسه في حالة أخرى ؛ فالمشبه والمشبه به شخص واحد ، ولكن في حالتين مختلفين ، وهذا أمر جائز عندهم كما أسلفنا . أي : كأنك في حالة وجودك بالدنيا شبيه بنفسك في حالة عدم وجودك بها . ) « فالكاف » اسمها ، والجار والمجرور ؛ ( بالدنيا ) متعلق بالفعل : « تكن » فكلمة : « لم » حرف جزم . « تكن » تامة بمعنى « توجد » فعل مضارع مجزوم بها . والفاعل : أنت ، والجملة في محل رفع خبر : « كأن » . ( فالمراد : كأنك عند الاحتضار لم توجد بالدنيا ، فأنت في حالتك هذه تشبه نفسك في حالة عدم وجودك فيها ؛ فالحالتان سيان ) . و « بالآخرة » الواو حرف عطف . الجار والمجرور حال مقدم من الضمير فاعل الفعل المضارع : « تزل » المجزوم بالحرف : « لم » ( فالمراد : كأنك لم توجد بالدنيا ولم تزل عنها في حالة وجودك بالآخرة ؛ لأنك على بابها . والجملة الفعلية الثانية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة ) . ويرى فريق آخر قصر التشبيه في : « كأن » على الحالة التي يكون فيها خبرها جامدا ؛ مثل : « كأن البخيل حجر » . أما في غيره فهي للتحقيق ، أو : التقريب ، أو الظن . . . ومن أمثلة التحقيق عندهم قوله تعالى : ( وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) ، إذ المعنى هنا محقق قطعا . ولا مجال فيه للتشبيه . ومثله قول الشاعر المتغزل : كأنني حين أمسى لا تكلمني * متيّم أشته ما ليس موجودا وهذا رأى حسن ولكن جمهرتهم لا يخرجونها عن التشبيه ، وحجتهم ما ذكرنا من أن المشبه به قد يكون محذوفا . وقد يكون هو المشبه أيضا ، ولكن في حالة أخرى كما سبقت الإشارة ؛ ففي مثل : « كأن عليا