عباس حسن
553
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
ظاهرة في أول الخبر ؛ مع أن توهمه غير صحيح . ومن العجب أن يتوهم ويتخيل ما لا وجود له ، ويبنى عليه آثارا . وهذا أمر يجب الفرار منه - كما قلنا - ؛ لما فيه من البعد ، والعدول عن الطريقة المستقيمة الواضحة إلى أخرى ملتوية ، لا خير فيها . فإن قهرتنا بعض الأساليب القديمة على الالتجاء إليه وجب أن نقتصر عليه في الوارد ، ونحصر أمره في المسموع من تلك الأساليب ، دون أن نتوسع فيها بالمحاكاة والقياس ، إذ لا ضرورة تلجئنا إلى محاكاتها . وهذا الرأي السديد لبعض النحاة الأقدمين « 1 » تستريح النفس إليه وحده ، ولا فرق فيه بين العطف على خبر « ليس » أو « ما » أو غيرهما من الأخبار التي تزاد في أولها الباء جوازا « 2 » . . . مثال آخر : ما المحسن منانا بإحسانه . كلمة : « منانا » - خبر « ما » منصوبة ، ويجوز أن تزاد « باء » الجر في خبر : « ما » الحجازية على الوجه المشروح في زيادتها - فيقال : ما المحسن بمنان بإحسانه . فتكون كلمة : « منان » مجرورة في الظاهر بالباء الزائدة ، ومنصوبة المحل ، لأنها خبر « ما » ؛ فإذا عطفنا على هذا الخبر المجرور كلمة أخرى « 3 » ، جاز في المعطوف إما الجر تبعا للخبر المجرور لفظه ، وإما النصب أيضا تبعا للخبر المنصوب محله ؛ فيقال ما المحسن بمنان وذاكر إحسانه أو : « ذاكرا » إحسانه ؛ بجر كلمة : « ذاكرا » ، أو نصبها . فإذا لم تكن « باء » الجر الزائدة مذكورة في أول الخبر فكيف نضبط
--> ( 1 ) وقد تردد في مراجع وأبواب مختلفة ، منها شرح الأشمونى ، آخر باب حروف الجر ، ومنها كتاب تنزيل الآيات ، شرح شواهد الكشاف ص 16 عند بيت الشاعر : مشائيم ، ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا بيين غرابها حيث عطف : « ناعب » بالجر على : « مصلحين بتوهم أو المعطوف عليه مجرور بالباء ، وأن التقدير بمصلحين وأيضا ورد هذا البيت ومعه آخر في « الكامل للمبرد » ج 1 ص 279 للاستشهاد بكل منهما على الحكم السالف . ( 2 ) والكلام على هذا النوع من الجر يذكرنا نوعا آخر من الجر يجب التشدد في إهماله ، وفي ترك استعماله والاقتصار فيه على المسموع وحده ، لوضوح فساده وإفساده ؛ هو الجر بالمجاورة . وسيجئ تفصيل الكلام عليه ( في ح 2 ص 272 م 82 وفي ص 338 م 89 باب حروف الجر ) ( وفي ج 2 ص 8 م 93 باب الإضافة ) . ( 3 ) وكان حرف العطف غير : « لكن » و « بل » . . . ( راجع ص 540 السابقة . . . ) .