عباس حسن

535

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

كلام منفى لم يجز اقترانه بإلا ) . ومن الأمثلة : ليس الخطيب عاجزا ؛ فقد انصب النفي على « العجز » وزالت نسبته الراجعة إلى الخطيب . فإذا أردنا إبطال النفي عن الخبر ، ومنع أثره في معناه - أتينا قبله بكلمة : « إلا » فقلنا : ليس الخطيب إلا عاجزا ، لأنها تنقض النفي ، وتوقف أثره ؛ فيصير المراد معها هو الحكم على الخطيب بالعجز ، وهو حكم يناقض السابق . أما في مثل : ليس المريض يعيج بالدواء ، فلا يصح اقتران الخبر بإلا ؛ فلا يقال : ليس المريض إلا يعيج بالدواء . فشأن « ليس » كشأن « كان » المسبوقة بالنفي ؛ حيث لا يصح أن يقال فيها : ما كان المريض إلا يعيج بالدواء ؛ كما سبق . فإن كان الفعل الناسخ هو : « زال » أو إحدى أخواتها الثلاث ، ( وكلها لا بد أن يسبقه « 1 » نفى ، أو شبهه ) - فخبرها مثبت غير منفى ؛ لأن كل واحدة منها تفيد النفي وقبلها نفى ، ونفى النفي إثبات ؛ فمثل : ما زال المال قوة ، فيه إثبات لاستمرار القوة للمال ، وحكم موجب بنسبتها إليه ، يمتد من الماضي إلى وقت الكلام ؛ فالنفى : في كلمة : « زال » وأخواتها مسلوب ومنقوض بالنفي الذي قبلها مباشرة . والمعنى في جملتها موجب ، وخبرها مثبت ، كما قلنا - فلا يقترن بكلمة « إلا » ؛ فلا يصح ما زال المال إلا قوة ؛ فشأنه شأن خبر : « كان » الخالية من نفى قبلها ؛ فكلا الخبرين موجب ( مثبت ) . وإذا كان خبر الناسخ منفيّا على الوجه السالف جاز أن يدخل عليه حرف الجر الزائد : « الباء » نحو : ليس الحلم ببلادة « 2 » ، وما كان الحليم ببليد يحتمل المهانة ، أي : ليس الحلم بلادة ، وما كان الحليم بليدا ؛ يحتمل المهانة . فزيدت « باء الجر » في أول الخبر المنفى في المثالين - وأشباههما - لغرض معنوي ؛ هو : توكيد النفي وتقويته « 3 » .

--> ( 1 ) انظر رقم 4 من هامش ص 509 . ( 2 ) وتعرب كما يأتي : « الباء » حرف جر زائد . « بلادة » مجرورة بحرف الجر الزائد وعلامة جرها ، الكسرة في محل نصب ؛ لأنها خبر « ليس » أيضا ؛ فكلمة : « بلادة » مجرورة في اللفظ بحرف الجر الزائد ، ومنصوبة محلا أو تقديرا ؛ لأنها خبر أيضا . والجار الزائد مع مجروره لا يتعلقان بشئ . ( 3 ) ذلك أن باء الجر لا تزاد هنا إلا في الخبر المنفى ؛ فوجودها دليل على وجود النفي وإعلان عنه ، وإزالة شبهة غيابه . فكأن النفي بها قد تكرر . هذا وقد سبق في أول الكتاب فائدة الحرف الزائد ص 65 .