عباس حسن

530

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

« إمّا « 1 » لا » . وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه ، وتقديره : « فافعل هذا » . ومثل ما سبق أن تقول لآخر : « ساعد المحتاج ببعض المال » ؛ فيجيب : « ليس عندي ما يزيد على حاجتي » . فتقول : « ساعده بالمعاملة الكريمة إما لا » . فأصل الكلام : ساعده بالمعاملة الكريمة إن كنت لا تملك غيرها . . . وجرى على الجملة من الحذف والتقدير ما جرى على سابقتها ، مما يفترضونه للتيسير والإيضاح كما بيناه . . . وحذف « كان » هنا واجب كما سلف ؛ لوجود عوض عنها ؛ فهو الموضع الثاني من موضعي الحذف الواجب بسبب العوض ، ولا يصح الجمع بين العوض ، والمعوّض عنه - والموضع الأول بعد « أن » المصدرية السابقة - أما في غيرهما فالحذف جائز . ومن الأمثلة الشائعة لحذف كان مع معموليها - بعد « إن » من غير تعويض ؛ قولك لآخر : أتسافر وإن كان البرد شديدا ؟ فيجيب : نعم ، وإن . . . أي : أسافر وإن كان البرد شديدا . ومثله : أتعطى السائل وإن كان أجنبيّا ؟ فتجيب : وإن . . . أي : أنا أعطيه ، وإن كان أجنبيّا « 2 » .

--> ( 1 ) يرى بعض النحاة أن الأصل في هذه الجملة وأشباهها لا يشتمل على : « كان » ولا معموليها ، وإنما أصل التركيب : افعل هذا إما لا تفعل غيره . . . فلفظ « إما » مركب من إن الشرطية المدغمة في « ما » الزائدة للتأكيد ، و « لا » نافية لفعل الشرط . ثم حذف فعل الشرط وفاعله وحذف الجواب أيضا لدلالة ما قبله عليه ، وصارت الجملة افعل هذا إما لا . . . هذا إن كانت الهمزة مكسورة ، أما إن كانت مفتوحة فأصل الكلام : اذهب إلى الريف لأن كنت لا تذهب إلى غير الريف ، ثم جرى التأويل الذي أشرنا إليه في القسم الأول ( رقم « ا » من الحذف الواجب ) . وسواء أكانت التقدير هذا أم ذاك أم غيرهما ، وسواء أكانت الهمزة مكسورة أم مفتوحة فالذي يجب الالتفات إليه أن هذه التأويلات والتقديرات - على تعقيدها - لا أهمية لها ؛ وإنما المهم هو معرفة الأسلوب من ناحية صياغته ، وطريقة تركيبه ، ودقة استعماله في موضعه الذي استعمله العرب فيه ؛ بحيث لا نخطىء في صياغته ، ولا طريقة استعماله ، ولا فهم المراد منه ، وهذا أمر يسير لا نحتاج معه إلى شئ من ذلك الإرهاق . ( 2 ) وقد أشار ابن مالك إلى بعض مواضع الحذف باختصار قائلا : ويحذفونها ويبقون الخبر * وبعد : « إن » و « لو » ، كثيرا ؛ ذا اشتهر أي : إنهم يحذفون « كان » مع اسمها ويبقون الخبر ، وهذا الحذف قد اشتهر بعد « إن » و « لو » الشرطيتين على الوجه الذي فصلناه . ثم أشار إلى موضع آخر بقوله : وبعد أن تعويض : « ما » عنها ارتكب * كمثل : أمّا أنت برّا فاقترب -