عباس حسن

469

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

في تكوين الجملة « 1 » .

--> ( 1 ) تقضى تلك الأصول بأن الجملة الواحدة لا يصح أن تجمع في وقت واحد بين صيغتين مختلفتين لخطاب اثنين مختلفين ؛ كأن تكون إحدى الصيغتين فعل أمر ، أو ما ينوب عنه ، والخطاب فيها متجها لشئ ، وتكون الصيغة الأخرى مخالفة للأولى في لفظها وفي المخاطب الذي تتجه إليه . فلو تعلق الجار والمجرور بالمصدر لفسد المعنى ؛ لأن المصدر في مثل : « سقيا » نائب عن فعل الأمر : « اسق » - وله فاعل كفعل الأمر ، وفاعله مستتر فيه تقديره : « أنت » ويصح أن يقال : أنه محذوف تقديره : « أنت » طبقا للبيان الذي سنذكره بعد ؛ فهو يتضمن كفعله مخاطبة « اللّه » بالدعاء ، في الوقت الذي يتضمن فيه الضمير المجرور مخاطبة شئ آخر تدعو اللّه له ، وبهذا تشتمل الجملة الواحدة على الخطابين اللذين لا يجتمعان ؛ لأن اجتماعهما يفسد المعنى ( إذ يكون التقدير : اسق يا أللّه لك . فيؤدى هذا إلى أن : اللّه منه السقي ، وله السقي ، والشطر الثاني فاسد ) ولهذا قالوا - بحق - : إن « سقيالك » وما هو على نمطها ليس جملة واحدة ، وإنما هو جملتان ؛ إحداهما : « سقيا » ؛ فكلمة : « سقيا » مصدر نائب عن فعل الأمر ويعرب مفعولا مطلقا منصوبا ، وفاعله مستتر فيه أو محذوف - كما تقدم ، وكما يجئ - وتقديره في الحالتين : « أنت » والأخرى : « لك » . فالجار : مع مجروره خبر لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره : الدعاء . . . وأصل الجملة الثانية : الدعاء لك ؛ وأصل الكلام كله : سقيا ( بمعنى : اسق يا أللّه ) الدعاء لك أيها المخاطب الذي أدعو اللّه لك . ومما يستحق التنويه أن الضمير الواقع بعد ذلك المصدر ( وهو ضمير الخطاب المجرور ) له اتصال معنوي بالجملة الأولى ، مع أنه في جملة بعدها مستقلة عنها في الإعراب ، وسبب ذلك الاتصال المعنوي : أنه قد يكون هو المقصود من الأولى ، والذي ينصبّ عليه ما فيها من دعاء أو غيره ؛ فكأنه من جهة المعنى - لا من جهة الإعراب - مفعول به . فمعنى « سقيا لك » . اسق يا رب فلانا . . . فمن فلان هذا ؟ أين هو في الكلام ؟ لا يتحقق إلا في المخاطب الواقع بعد اللام . فظاهره أنه مجرور باللام ، ولكنه في حقيقته المعنوية بمنزلة المفعول به ؛ مع أنه لا يعرب مفعولا به ؛ إذ لا بد من اعتبار الكلام جملتين عند الإعراب - كما أوضحنا - . كذلك : « رعيا لك » معناها : ارع يا رب فلانا . فمن فلان ؟ أين هو في الكلام ؟ لا وجود له من حيث المعنى إلا في الضمير المخاطب بعد اللام ؛ فظاهره أنه مجرور بها ، ولكنه في حقيقته المعنوية بمنزلة المفعول به ، مع أنه لا يعرب مفعولا . . . إذ لا بد من اعتبار الكلام جملتين عند إعرابه ، كما سبق . . . وفي بعض الأساليب الأخرى قد يكون ذلك الضمير المجرور بمنزلة الفاعل من جهة المعنى مع أنه لا يصح إعرابه فاعلا ؛ نحو : « بؤسا لك » أيها العدو ، أو : . « سحقا لك » ، أو : « بعدا لك » . تخاطب عدوا ، أو من يخون أمانته ، مثلا . . . وتدعو عليه . وأصل الكلام : « أبؤس » ؛ في الدعاء عليه بالبؤس ؛ - وهو : المرض والفقر - . و « اسحق » ؛ في الدعاء عليه بالسّحق ، وهو : الهلاك . وابعد ، في الدعاء عليه بالبعد : وهو ؛ الهلاك أيضا . فكأنك تقول بؤست ، وسحقت وبعدت ، أي : صرت بائسا ، ساحقا ، باعدا ؛ فالضمير المجرور بعد اللام هو الذي حل محل الفاعل في المعنى لا في الإعراب وصار مؤدبا معناه . غير أنه في مثل هذه التراكيب التي يكون فيها الضمير المجرور فاعلا في المعنى لا يكون التركيب مشتملا على خطابين لمخاطبين مختلفين ، وإنما يكون مشتملا على خطابين بلفظين مختلفين ،