عباس حسن

455

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

17 - ويجب تأخير الخبر ، إذا كان جملة فعلية ماضوية والمبتدأ « ما » التعجبية ؛ نحو : ما أقدر اللّه أن يدنى المتباعدين « 1 » . ( ب ) أثار النحاة والبلاغيون جدلا مرهقا حول بعض الحالات التي يكون فيها المبتدأ والخبر متساويين في التعريف والتنكير ، أو متقاربين فيهما ؛ من غير لبس في المعنى . ويدور الجدل حول معرفة الأحق منهما بأن يكون المبتدا . وإذا ظهر الأحق فهل يجوز الإغضاء عن أحقيته بجعله خبرا وجعل الخبر مبتدأ ؟ وقد سبق « 2 » بيان المراد من التساوي والتقارب في التعريف والتنكير . بالرغم من جدلهم المرهق « 3 » ؛ فإن الجواب السديد يتلخص في أن المعوّل عليه في جواز تقديم المبتدأ على الخبر ليس التساوي أو التقارب في درجة التعريف والتنكير ؛ وإنما المعول عليه وحده هو وجود قرينة تدل على أن هذا هو المحكوم عليه ، ( أي : أنه المبتدأ ) ، وذلك هو المحكوم به ، أي : الخبر ، على حسب المعنى ؛ بحيث يتميز كل من الآخر ، دون خلط أو اشتباه . فمتى وجدت القرينة التي تمنع الخلط واللبس جاز تقديم أحدهما وتأخير الآخر على حسب الدواعي « 4 » . وإن لم توجد القرينة وجب تأخير الخبر حتما من غير أن يكون للتساوي أو التقارب دخل في الحالتين . فلا بد من مراعاة حال السامعين من ناحية قدرتهم على إدراك أن هذا محكوم عليه فيكون مبتدأ ، وأن ذاك محكوم به فيكون خبرا . فإذا وقع في وهم المتكلم أن التمييز غير ممكن ، وأن اللبس محتمل - وجب إزالته ؛ إما بالقرينة التي تبعده وتبدده ، وإما بالتزام الترتيب ؛ فيتقدم المبتدأ ويتأخر الخبر ؛ ليكون هذا التقدم دليلا على أنه المبتدأ ، ووسيلة إلى تعينه ؛ لموافقته للأصل الغالب في المبتدأ .

--> ( 1 ) سبقت الإشارة لهذا في ص 452 ( 2 ) في هامش ص 448 . ( 3 ) وقد عرض لبعضه صاحب المفصل ، وكذا الصبان بإيجاز في الجزء الأول باب المبتدأ والخبر عند الكلام على مواضع تأخير الخبر وجوبا . وكذلك التصريح وهامشه في الموضع السابق أيضا : وكذلك المغنى أول الباب الرابع . ( 4 ) إلا في الحالة التي أشرنا إليها في رقم 8 من ص 453 وهي حالة اسم الإشارة المقرون بكلمة « ها » التنبيه ، مع معرفة أخرى إذ يتعين أن يكون اسم الإشارة هو المبتدأ ؛ لأن حرف التنبيه لا بد أن يتصدر - عند فريق من النحاة دون فريق ، طبقا للبيان المفصل الذي في رقم 6 من هامش ص 295 - إلا إن كانت المعرفة الأخرى ضميرا ؛ ففي هذه الحالة يحسن أن يكون هو المبتدأ الذي تسبقه ( ها ) التنبيه ، واسم الإشارة يجئ بعده خبرا نحو : « هأنذا » . وقد يجوز مراعاة القاعدة العامة بتقديم الإشارة أيضا في هذه الصورة مع تأخير الضمير ؛ نحو : هذا أنا ، ولكن الأول أكثر في الأساليب الأدبية المعروفة . ( انظر ص 304 ) .