عباس حسن
8
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
على أن هذا الفريق الذي اختار تلك الشواهد ميدانا لتطبيقه قد فاته ما أشرنا إليه من حاجتها إلى طويل الوقت ، وكبير الجهد في تيسير صعوباتها اللغوية التي أوضحناها . وطلاب اليوم - خاصة - أشد احتياجا لذلك الوقت والجهد ، كي يبذلوهما في تحصيل ما يتطلبه مستقبلهم الغامض . كما فاته أن خير التطبيق لكبار الطلاب ما ليس محدد المجال ، مصنوع الغرض ، متكلف الأداء ، كالشواهد التي نحن بصددها . وإن مناقشة لنص أدبى كامل ، أو صفحة من كتاب مستقيم الأسلوب ، أو مقال أدبى - لهى أجدى في التطبيق ، وأوسع إفادة في النواحي اللغوية المتعددة ، وأعمق أثرا في علومها وآدابها - من أكثر تلك الشواهد المبتورة المعقدة . فليتنا نلتفت لهذا ، وندرك قيمته العملية ، فنحرص على مراعاته ، ونستمسك باتباعه مع كبار المتعلمين ، ولعل هؤلاء الكبار أنفسهم يدركونه ويعملون به ، فيحقق لهم ما يبتغون . على أن لتلك الشواهد خطرا آخر ؛ هي أنها - في كثير من اتجاهاتها - قد تمثل لهجات عربية متعارضة ، وتقوم دليلا على لغات قديمة متباينة ، وتساق لتأييد آراء متناقضة ؛ فهي معوان على البلبلة اللغوية ، ووسيلة للحيرة والشك في ضبط قواعدها ، وباب للفوضى في التعبير . وتلك أمور يشكو منها أنصار اللغة ، والمخلصون لها . وعلى الرغم من هذا قد نسجل - أحيانا مع الحيطة والحذر - بعض الشواهد الغريبة ، أو الشاذة ، وبعض الآراء الضعيفة ، لا لمحاكاتها ، ولا للأخذ بها - ولكن ليتنبه لها المتخصصون ، فيستطيعوا فهم النصوص القديمة الواردة بها حين تصادفهم ، ولا تصيبهم أمامها حيرة ، أو توقف في فهمها . 4 - الفرار من العلل الزائفة « 1 » ، وتعدد الآراء الضارة في المسألة الواحدة ، فلهما من سوء الأثر وقبيح المغبة ما لا يخفى . وحسبنا من التعليل : أن يقال : المطابقة للكلام العربي الناصع ، ومن الآراء أن يقال : مسايرة فصيح اللغة وأفصحها . والقرآن الكريم - بقراءاته الثابتة الواردة عن الثقات - في
--> ( 1 ) وفي مقدمتها ما كان تعليلا لأمر واقع ، ولا سبب له إلا نطق العربي ، كالتعليل لرفع الفاعل ، والمبتدأ والخبر ، ولنصب المفعولات - انظر رقم 3 من هامش ص 84 - فإن التعليل لهذه الأمور الوضعية عيب وفساد ؛ إذ الوضعيات لا تعلل ؛ كما قال أبو حيان وغيره ، ونقله الهمع ح 1 ص 56 .