عباس حسن
3
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
اللغة الأجانب على الاعتراف بفضلهم ، والإشادة ببراعتهم « 1 » . . . هذه كلمة حق يقتضينا الإنصاف أن نسجلها ؛ لننسب الفضل لروّاده ، وإلا كنّا من عصبة الجاحدين ، الجاهلين ، أو المغرورين . 2 وليس من شك أن التراث النحوي الذي تركه أسلافنا نفيس غاية النفاسة ، وأن الجهد الناجح الذي بذلوه فيه خلال الأزمان المتعاقبة جهد لم يهيأ للكثير من العلوم المختلفة في عصورها القديمة والحديثة ، ولا يقدر على احتمال بعضه حشود من الثرثارين العاجزين ، الذين يوارون عجزهم وقصورهم - علم اللّه - بغمز النحو بغير حق ، وطعن أئمته الأفذاذ . بيد أن النحو - كسائر العلوم - تنشأ ضعيفة . ثم تأخذ طريقها إلى النمو ، والقوة والاستكمال بخطا وئيدة أو سريعة ؛ على حسب ما يحيط بها من صروف وشؤون . ثم يتناولها الزمان بأحداثه ؛ فيدفعها إلى التقدم ، والنمو ، والتشكل بما يلائم البيئة ، فتظل الحاجة إليها شديدة ، والرغبة فيها قوية . وقد يعوّقها ويحول بينها وبين التطور ، فيضعف الميل إليها ، وتفتر الرغبة فيها . وقد يشتط في مقاومتها ؛ فيرمى بها إلى الوراء ، فتصبح في عداد المهملات ، أو تكاد . وقد خضع النحو العربي لهذا الناموس الطبيعي « 2 » ؛ فولد في القرن الأول الهجري ضعيفا ، وحسبا وئيدا أول القرن الثاني ، وشب - بالرغم من شوائب خالطته - وبلغ الفتاء آخر ذلك القرن ، وسنوات من الثالث ، فلمع من أئمته نجوم زاهرة ؛ كعبد اللّه بن أبي إسحاق ، والخليل ، وأبى زيد ، وسيبويه ، والكسائي ، والفراء ، ونظرائهم من الأعلام ، ثم توالت أخلافهم ، على تفاوت في المنهج ، وتخالف في المادة ، إلى عصر النهضة الحديثة التي يجرى اسمها على الألسنة اليوم ، ويتخذون
--> ( 1 ) من ذلك ما قالة العلامة الكبير : « دى بور » في كتابه : تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ونصه - كما جاء في ترجمة الدكتور محمد أبو ريدة ص 4 - : « علم النحو أثر رائع من آثار العقل العربي . بما له من دقة في الملاحظة ، ومن نشاط في جمع ما تفرق . وهو أثر عظيم يرغم الناظر فيه على تقديره ، ويحق للعرب أن يفخروا به . » ( 2 ) هذا النسب صحيح .