جلال الدين السيوطي

73

همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو

قال أبو حيان : فإن قلت : كيف أدخل سيبويه هذا في المصدر المؤكد لما قبله ، وليس كذلك ؛ لأنك إذا فرضته مؤكدا فإنما يكون مؤكدا لما بعده ؟ قلت : إنما هو جواب لمن قال : أنا لا أفعل كذا ، وأنا أفعل كذا ، فبلا شك أن المتكلم يحمل كلامه على الجد ، فهو مجد فيما يقوله ، فإذا قلت : أتجد ذلك جدا ، فهو مؤكد لما قبله . وجوز سيبويه رفع هذا النوع كله ، أي : المصدر المؤكد بجملة على تقدير الابتداء ويكون لازما الإضمار كالفعل ، فصنع اللّه مثلا على إضمار ( هو ) ، أو ( ذلك ) ، وله علي ألف اعترافا كذلك ، وجوز المبرد رفع باقي الخبر المكرر والمحصور فيقال : زيد سير سير ، وإنما أنت سير . ومن المواضع التي يجب فيها حذف عامل المصدر ما وقع مشبها به مشعرا بحدوث بعد جملة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ ، ولا صلاحية للعمل فيه كقولك : مررت به فإذا له صوت صوت حمار ، وله صراخ صراخ الثكلى ، وقوله : « 753 » - له صريف صريف القعو بالمسد واحترزنا بقولنا : « مشعرا بحدوث » عما لا يشعر به نحو : له ذكاء ذكاء الحكماء ، فلا يجوز نصبه ؛ لأن نصب صوت وشبهه إنما يكون لكون ما قبله بمنزلة يفعل مسندا إلى فاعل ؛ إذا التقدير في ( وله صوت ) وهو يصوت ، فاستقام نصب ما بعده ؛ لاستقامة تقدير الفعل في موضعه ، وذلك لا يمكن في ( له ذكاء ) فلم يستقم النصب . وبقولنا : « بعد جملة » عما بعد مفرد نحو : صوته صوت حمار فلا يجوز نصبه ، وبقولنا : « مشتملة . . . إلخ » عن نحو : فيها صوت صوت حمار ، وعليه نوح نوح الحمام ، فالنصب في ذلك ضعيف ؛ لأنه لم يشتمل على صاحب الصوت ، فلم يمكن تقديره ب : ( يصوت ) فوجه النصب على ضعفه أن الصوت يدل على المصوت . وبقولنا : « ولا صلاحية للعمل » عما يصلح للعمل في المصدر نحو : هو مصوت صوت حمار ، فإن صوت حمار هنا ينتصب ( بمصوت ) لا بمضمر . ثم إذا اجتمعت الشروط فإن كان معرفة تعين فيه ما ذكر من النصب على المصدرية

--> ( 753 ) - البيت من البسيط ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 16 ، وجمهرة اللغة ص 578 ، 741 ، 944 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 31 ، وشرح الأشموني 2 / 507 ، والكتاب 1 / 355 ، واللسان مادة ( صرف ، قذف ، بزل ، قعا ) ، وبلا نسبة في اللسان مادة ( دخس ) ، ومجالس ثعلب ص 320 ، انظر المعجم المفصل 1 / 258 .