جلال الدين السيوطي
409
همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو
عندهم إلا ذلك ، حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها والابتداء بما بعدها ، وحتى قال جماعة منهم : متى سمعت ( كلا ) في سورةفاحكم بأنها مكية ؛ لأنه فيها معنى التهديد والوعيد ، وأكثر ما نزل ذلك بمكة ؛ لأن أكثر العتو كان بها . ( وزاد ) لها ( قوم ) لما رأوا أن معنى الردع والزجر ليس مستمرا فيها معنى ( ثانيا ) يصح عليه أن يوقف دونها ويبتدأ بها ، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المعنى ( فالكسائي ) قال : تكون ( بمعنى حقا ) أيضا ( وزعمها مكي اسما حينئذ كمرادفها ) ، ولأنها تنون في قراءة بعضهم : كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ [ مريم : 82 ] ، وغيره قال : اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية قليل ومخالف للأصل ، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها ، وخرج التنوين في الآية على أنه بدل من حرف الإطلاق المزيد في رؤوس الآي ، ثم إنه وصل بنية الوقف ، ( وأبو حاتم ) قال : تكون بمعنى ( ألا ) الاستفتاحية ، قال أبو حيان : ولم يتقدمه إلى ذلك أحد ، ووافقه على ذلك الزجاج وغيره ، ( والنضر ) ابن شميل قال : ( تكون بمعنى إي ) فتكون حرف تصديق ، وتستعمل مع القسم وخرج عليه قوله تعالى : كَلَّا وَالْقَمَرِ [ المدثر : 32 ] ، فقال : معناه : إي والقمر . قال ابن هشام : وقول أبي حاتم عندي أولى من قول الكسائي والنضر ؛ لأنه أكثر اطرادا ، فإن قول النضر لا يتأتى في قوله : كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ [ المؤمنون : 100 ] ، وقوله : كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [ الشعراء : 62 ] ؛ لأنها لو كانت فيهما بمعنى إي لكانت للوعد بالرجوع وللتصديق بالإدراك ، وقول الكسائي لا يتأتى في نحو : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ [ المطففين : 18 ] ؛ لأن إن تكسر بعد ألا الاستفتاحية ، ولا تكسر بعد حقا ولا بعد ما كان بمعناها ، قال أبو حيان : وذهب الفراء وأبو عبد الرحمن اليزيدي ومحمد بن سعدان إلى أن كلا بمنزلة سوف ، قال : وهذا مذهب غريب . كم ( كم ) على وجهين ( خبرية بمعنى كثير ، واستفهامية بمعنى أيّ عدد ، لا لقلة ولا كثرة ، ولا هي حرف ولا مركبة ، خلافا لزاعمي ذلك ) ، بل هي اسم بسيط ، وضعت مبهمة تقبل قليل العدد وكثيره ، والدليل على اسميتها دخول حرف الجر عليها والإضافة إليها ، وعود الضمير عليها ، وذهب بعضهم فيما حكاه صاحب « البسيط » إلى أن الخبرية حرف للتكثير في مقابلة ( رب ) الدالة على التقليل ، وذهب الكسائي والفراء إلى أن ( كم ) بوجهيها مركبة من ( كاف ) التشبيه و ( ما ) الاستفهامية ، وحذفت ألفها كما تحذف مع سائر حروف الجر نحو :