جلال الدين السيوطي
227
همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو
الهمزة ؛ لكثرة الاستعمال كما حذفت في قولهم : ويلمّه والأصل ويل أمه ، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين ألف ( لا ) ونون ( أن ) فصارت ( لن ) ، والحامل لهما على ذلك قربها في اللفظ من ( لا أن ) ووجود معنى ( لا ) و ( أن ) فيها وهو النفي والتخليص للاستقبال . وقال الفراء : هي لا النافية أبدل من ألفها نون ، وحمله على ذلك اتفاقهما في النفي ونفي المستقبل وجعل ( لا ) أصلا ؛ لأنها أقعد في النفي من ( لن ) ؛ لأن ( لن ) لا تنفي إلا المضارع ، وقد ذكرت رد القولين في حاشية « المغني » . وتنصب ( لن ) المستقبل ، أي : إنها تخلص المضارع إلى الاستقبال وتفيد نفيه ، ثم مذهب سيبويه والجمهور أنها تنفيه من غير أن يشترط أن يكون النفي بها آكد من النفي بلا ، وذهب الزمخشري في « مفصله » إلى أن ( لن ) لتأكيد ما تعطيه ( لا ) من نفي المستقبل ، قال : تقول : لا أبرح اليوم مكاني ، فإذا أكدت وشددت قلت : لن أبرح اليوم ، قال تعالى : لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ [ الكهف : 60 ] ، وقال : فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [ يوسف : 80 ] ، وذهب الزمخشري في « أنموذجه » إلى أنها تفيد تأبيد النفي ، قال : فقولك : لن أفعله كقولك : لا أفعله أبدا ، ومنه قوله تعالى : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً [ الحج : 73 ] ، قال ابن مالك : وحمله على ذلك اعتقاده في لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] أن اللّه لا يرى وهو باطل ، ورده غيره بأنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [ مريم : 26 ] ، ولم يصح التوقيت في قوله : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [ طه : 91 ] ، ولكان ذكر ( الأبد ) في قوله : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [ البقرة : 95 ] تكرارا ؛ إذ الأصل عدمه ، وبأن استفادة التأبيد في آية : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً [ الحج : 73 ] من خارج ، وقد وافقه على إفادة التأبيد ابن عطية وقال في قوله : لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] : لو بقينا على هذا النفي لتضمن أن موسى لا يراه أبدا ولا في الآخرة ، لكن ثبت في الحديث المتواتر أن أهل الجنة يرونه « 1 » ، ووافقه على إفادة التأكيد جماعة منهم ابن الخباز ، بل قال بعضهم : إن منعه مكابرة فلذا اخترته دون التأبيد . وأغرب عبد الواحد الزملكاني فقال في كتابه « التبيان في المعاني والبيان » : إن ( لن ) لنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها ، قال : وسر ذلك أن الألفاظ مشاكلة للمعاني ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، باب قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ( 4581 ) ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب معرفة طريق الرؤية ( 183 ) .