جلال الدين السيوطي

12

همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو

( ش ) يجوز حذف ناصب المفعول به قياسا ؛ لقرينة لفظية أو معنوية نحو : ( زيدا ) لمن قال : من ضربت ، أي : ضربت ، ولمن شرع في إعطاء ، أي : أعط ، و ( خيرا ) لمن ذكر رؤيا ، أي : رأيت ، و ( حديثك ) لمن قطع حديثه ، أي : تمم ، و ( مكة ) لمن تأهب للحج ، أي : تريد أو أراد ، و ( القرطاس ) لمن سدد سهما ، أي : تصيب . ومعنى كونه قياسا أنه لا يقتصر فيه على مورد السماع ، ومنه في القرآن ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [ النحل : 30 ] ، أي : أنزل ، بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [ البقرة : 135 ] ، أي : نتبع . ويجب الحذف سماعا في الأمثال التي جرت كذلك ، فلا تغيّر كقولهم : ( كلّ شيء ولا شتيمة حر ) ، أي : ائت ولا ترتكب ، و ( هذا ولا زعماتك ) ، أي : هذا هو الحق ولا أتوهم ، وقيل : التقدير ولا أزعم ، وكذا ما أشبه المثل في كثر الاستعمال نحو : انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ [ النساء : 171 ] ، أي : وأتوا ، بخلاف ما لم يكثر استعماله نحو : انته أمرا قاصدا ، أي : وأت ، فإنه لا يجب إضمار فعل . قال أبو حيان : وقد غفل الزمخشري عن هذا فجعل انْتَهُوا خَيْراً [ النساء : 171 ] منه ، وانته أمرا قاصدا سواء في جواب إضمار الفعل ، وقد نص سيبويه على أنه لا يجب إضمار الفعل في ( انته أمرا قاصدا ) ، وعلل ذلك بأنه ليس في كثرة الاستعمال مثل انته خيرا لك ، وقولهم : ( الكلاب على البقر ) بإضمار ( أرسل ) ، ومعناه خلّ بين الناس جميعا خيرهم وشرهم ، واغتنم أنت طريق السلامة فاسلكها . وقولهم : ( أحشفا وسوء كيلة ) « 1 » ، مثل لمن يظلم الناس من وجهين ، ومعناه تعطيني حشفا وتسيء الكيل ، وأما ( من أنت زيدا ) فأصله أن رجلا غير معروف بفضل تسمى بزيد وكان زيد مشهورا بالفضل والشجاعة فلما تسمى الرجل المجهول باسم ذي الفضل دفع عن ذلك ، وقيل : له من أنت زيدا على جهة الإنكار عليه ، كأنه قال : من أنت تذكر زيدا ، أو ذاكرا زيدا ، وفي قولهم : من أنت تحقير للمخاطب ، وقد يقال لمن ليس اسمه زيدا : ( من أنت زيدا ) على المثل الجاري . وأما ( كل شيء ولا هذا ) فمعناه ائت كل شيء ولا تأت هذا ، أو أقرب كل شيء ولا تقرب هذا .

--> ( 1 ) الكيلة فعلة من الكيل ، وهي تدل على الهيئة والحالة ، نحو : الركبة ، والحشف أردأ التمر ، أي : أتجمع حشفا وسوء كيل ، يضرب لمن يجمع بين خصلتين مكروهتين .