جلال الدين السيوطي

367

همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو

مالك ، واحتجوا بأنها لما دخلت على غير مسموع أتي لها بمفعول ثان يدل على المسموع ، كما أن ظن دخلت على غير مظنون أتي بعد ذلك بمفعول ثان يدل على المظنون ، والجمهور أنكروا ذلك وقالوا : لا تتعدى سمعت إلا إلى مفعول واحد ، فإن كان مما يسمع فهو ذلك ، وإن كان عينا فهو المفعول ، والفعل بعده في موضع نصب على الحال ، وهو على حذف مضاف ، أي : سمعت صوت زيد في حال أنه يتكلم ، وهذه الحالة مبينة واحتج ابن السيد لقولهم بأنها من أفعال الحواس وأفعال الحواس كلها تتعدى إلى واحد ، وأنها لو تعدت لاثنين لكانت إما من باب أعطى ، أو من باب ظن ، ويبطل الأول كون الثاني فعلا ، والفعل لا يكون في موضع الثاني من باب أعطى ، ويبطل الثاني أنها لا يجوز إلغاؤها ، وباب ظن يجوز فيه الإلغاء . وألحق قوم ب : صير ضرب على المثل نحو : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً [ النحل : 75 ] ، أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً [ البقرة : 26 ] ، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ [ يس : 13 ] ، فقالوا : هي في الآيات ونحوها متعدية إلى اثنين ، قال ابن مالك : والصواب ألا يلحق به لقوله تعالى : ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [ الحج : 73 ] ، فبنيت للمفعول واكتفت بالمرفوع ، ولا يفعل ذلك بشيء من أفعال هذا الباب ، قال أبو حيان : وهو استدلال ظاهر إلا أنه يمكن تأويله على حذف المفعول لدلالة الكلام عليه ، أي : ما يذكر ، وذهب ابن أبي الربيع إلى أن ضرب بمعنى صير متعد لاثنين مطلقا مع المثل وغيره نحو : ضربت الفضة خلخالا ، ومال إليه أبو حيان ، وألحق هشام بأفعال هذا الباب عرف وأبصر ، وألحق بها ابن درستويه أصاب وصادف وغادر ، وألحق بها بعضهم خلق بمعنى جعل ، كقوله : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] ، والجمهور أنكروا ذلك وجعلوا المنصوب الثاني في الجميع حالا ، وزعم جماعة من المتأخرين منهم خطاب الماردي أنه قد يجوز تضمين الفعل المتعدي إلى واحد معنى صير ، ويجعل من هذا الباب فأجاز حفرت وسط الدار بئرا ، ولا يكون بئرا تمييزا ؛ لأنه لا يحسن فيه من ، وكذا بنيت الدار مسجدا ، وقطعت الثوب قميصا ، والجلد نعلا ، وصنعت الثوب خماسيا ؛ لأن المعنى فيها صيرت ، قال أبو حيان : والصحيح أن هذا كله من باب التضمين الذي يحفظ ولا يقاس عليه ، وذكر السكاكي في « المفتاح » فيما يتعدى إلى اثنين ، توهمت وتيقنت وشعرت ودريت وتبينت وأصبت واعتقدت وتمنيت ووددت وهب بمعنى احسب ، نقله عنه في « الارتشاف » ، ثم قال ويحتاج في نقل هذه من هذا الباب إلى صحة نقل عن العرب .