ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
529
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
انتقل إلى ما يلائمه فقال : ( كلّ يوم تبدي صروف الليالي * خلقا من أبي سعيد غريبا ) " 1 " ويمكن أن يخرج هذا البيت من الاقتضاب إلى التخلص ، بأن يقال : رجح بترجيح الشباب على الشيب الخلق الغريب الجديد على الخلق القديم ، أو بأن يقال يريد إنه مع ابتلائي بالشيب لا بأس لي بظهور غرائب خلق أبي سعيد ، ولا يخفى أنه لا يوافق نفي الخبر عن الشيب ، ما جاء في مدح الشيب وفضله في الشرع ، فاللائق بحال الشاعر المسلم الاجتناب عن مثله . ( ومنه ) أي من الاقتضاب ( ما يقرب من التخلص ) في أنه يشوبه شيء من الملائمة ( كقولك بعد حمد اللّه : أما بعد ) فإني قد فعلت كذا وكذا ، وهو اقتضاب من جهة أنه قد انتقل من الحمد إلى كلام آخر من غير رعاية ملائمة بينهما ، لكنه يشبه التخلص من جهة أنه لم يؤت بالكلام الآخر فجأة من غير قصد إلى ارتباط وتعليق بما قبله ، بل إلى لفظ : أما بعد ، أي مهما يكن من شيء بعد حمد لله ، فكذا أقصد إلى ربط هذا الكلام بما قبله . ( وقيل : وهو فصل الخطاب ) في القاموس : أما بعد أي بعد دعائي لك ، وأول من قاله داود عليه السّلام أو كعب بن لؤي ، هذا ويعلم منه أنه يقال من غير أن يقع بعد حمد أو غيره ، ومعناه حينئذ بعد دعائي لك ، والأظهر : أن فصل الخطاب الفاصل بين الحق والباطل أو الخطاب المفصول الغير المتشابه ، وكل منهما نتيجة العلم بالشيء على وجه الكمال ، وإن قال ابن الأثير : والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أن فصل الخطاب هو : أما بعد ؛ لأن المتكلم يفتتح في كل أمر ذي شأن بذكر اللّه تعالى ، وبتحميده ، فإذا أراد أن يخرج منه إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر اللّه تعالى بقوله : أما بعد ، هذا والمفعول المقبول أن المراد من هذا المفعول أن أما بعد من فصل الخطاب . وكقوله ( هذا وإنّ للطّاغين لشرّ مآب ) " 2 " فذكر هذا بقربه إلى التخلص ، لأن فيه نوع ارتباط لأن الواو بعده للحال ولفظ : هذا ، إما خبر
--> ( 1 ) البيتان في الإيضاح : 373 ، وهما مثال للاقتصاب مطلقا . ( 2 ) ص : 55 .