ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

503

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

فتعبير جرير بذي العمامة كتعبير أبي الطيب عنه بمن في كفه منهم قناة ، وكذا التعبير عن المرأة بذات الخمار ، وبمن في كفه منهم خضاب ، وفي بيت أبي الطيب مزيد مبالغة حيث جعل المنهي للحرب كالمرأة المنتقبة التي في يدها الخضاب ، فإنها أضعف من المرأة الخادمة المتمرنة على العمل ، والسعي المتحملة للشدائد ، وفيه صنعة التوجيه فإنه يحتمل المدح بالشجاعة بأن يحمل على أن في يده منهم قناة ، كمن في كفه منهم خضاب ، لتلطيخه بدم الخصم ، وله احتمال آخر يخرجه عن تشابه المعنيين ، وهو أن من في كفه منهم قناة ليس القناة في كفه إلا زينة لكفه ، ولا يتأتى منه فائدة سوى الزينة ، كمن في كفه منهم خضاب ، إذ ليس الخضاب إلا زينة ، وهذا هكذا ، وإن يدل على ضعفهم لكن لا بالتسوية بين النساء وبينهم . في الإيضاح : ولا يغرك من البيتين المتشابهين أن يكون أحدهما نسيبا والآخر مديحا أو هجاءا أو افتخارا أو غير ذلك ، فإن الشاعر الحاذق إذا عمد إلى المعنى المختلس لينظمه احتال في إخفائه ، فغير لفظه ، وعدل به عن نوعه ووزنه وقافيته . ( ومنه ) أي من غير الظاهر ( النقل وهو أن ينقل المعنى إلى محل آخر كقول البحتري : [ سلبوا ] ) أي ثيابهم [ ( وأشرقت ) ] أي دخلت في شروق الشمس [ الدّماء ] كائنة ( [ عليهم ] ) فعليهم حال من الدماء مثل ( [ محمرّة ] ) أي غير مخلوطة بما يغير لونها [ فكأنّهم لم يسلبوا ] " 1 " ، لأن الدماء المشرقة صارت بمنزلة ثياب لهم . [ ( وقول أبي الطيب [ يبس النّجيع ] ) هو من الدم ما كان إلى السواد [ ( عليه ) ] أي على السيف [ ( وهو مجرّد من غمده فكأنّما هو مغمد ) ] " 2 " ، لأن الدم اليابس له بمنزلة الغمد له ، فنقل أبو الطيب المعني من القتلى والجرحى إلى السيف ، وإذا وقع هذا النقل في المتشابهين زاده خفاء في الأخذ . ( ومنه ) أي من غير الظاهر ( أن يكون معنى الثاني أشمل من ) معنى الأول ( كقول جرير :

--> ( 1 ) البيت في ديوانه : ( 1 / 76 ) ، والإيضاح : ( 357 ) ، والإشارات : ( 713 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه : ( 1 / 337 ) من قصيدة يمدح فيها شجاع بن محمد الطائي ، وهو في الإيضاح : ( 357 ) ، والإشارات : ( 313 ) .