ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
417
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
حيث ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة ، ولو قلت : لقيت من فلان أسدا ؛ للتهكم كما تقول للجبان ما أشبهه بالأسد - لا يصح فيه إنه انتزع منه مبالغة لكمالها فيه ؛ بل مبالغة لنقصانها فيه ، فيلزم خروجه عن تعريف التجريد إلا أن يتكلف بأنه لأجل المبالغة في الكمال تهكما ، ولزم من تلك المبالغة المبالغة في النقصان ، وبعد يتجه أنه كما إن التجريد يفيد المبالغة الاستعارة أيضا تفيد المبالغة ، فالذي أوجب جعل الثاني من دواخل البلاغة والأول من توابعها ، وأنه لا معنى لجعل التجريد مقابلا للمبالغة المقبولة - وعد كل منهما محسنا برأسه ، بل هو أيضا من صور المبالغة ، ومبني هذا التعريف على أن التجريد بدعوى إمكان الانتزاع من أمر ذي صفة آخر مثله . وأما لو كان بدعوى تجسم الشجاعة في زيد مثلا وصيرورته أسدا ، وكذلك تجسم صفات كمال أخرى فيه وجعلها أجساما أخر حتى صار زيد كجماعة فتقول : لقيت من زيد أسدا أي أسد بعض زيد هو جماعة من الأسد ، والبحر ، والحاتم ، مثلا بدعوى أنه تجسم فيه الشجاعة بالأسد والعلم والبحر والكرم لحاتم ، فإذا لقيته لقيت جماعة كلا منهم الأسد ، وتقول لقيت فيه أسدا ، ولقيت فيه بمعنى فيه أسد على ما أظن لم ينطبق عليه التعريف ، ولا يخفى أن اعتبارنا أقرب وأدق فاحفظه قاطعا ربقة التقليد فإنه أحب ، وبالمصلحة أوفق . ( وهو ) أي : التجريد ( أقسام : منها نحو قولهم : لي من فلان صديق حميم ) يريد بهذا القسم ما يكون بكلمة ( من ) وبعض النحاة جعل التجريد من نواحيها ، وبعضهم جعله راجعا إلى الابتداء ، وقد جعلناها تبعيضية فتذكر ، وأيّا يعجبك اختر ، والصديق الجيب يستوي فيه الواحد والواحدة والتثنية والجمع ، وقد يفرق بين المذكر والمؤنث بالتاء ، والحميم القريب ، وقد يكون للجمع والمؤنث . ( أي بلغ من الصداقة ) أي المحبة ( حدا أي طرفا أصبح معه ) أي مع ذلك الحد ( أن يستخلص منه ) أي : من فلان ( آخر ) أي صديق حميم ( مثله فيها ) أي : في الصداقة الكائنة مع القرابة . ( ومنها نحو قولهم : لئن سألت فلانا ) يحتمل أن يكون سؤال رفع الحاجة فيكون التشبيه بالبحر في السماحة ، وأن يكون سؤال رفع الجهل فيكون التشبيه