ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

270

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

ثم لا يخفى أن " إذا " المفاجئة إنما تصح إذا جعل السلخ بمعنى الإخراج ، كما يقال أخرج النهار من الليل ، ففاجأه دخول الليل ، فإنه يستقيم بخلاف ما إذا جعل بمعنى النزع ، فإنه لا يستقيم أن يقال : نزع ضوء الشمس عن الهواء ففاجأه الظلام ، كما لا يستقيم أن يقال : كسرت الكوز ففاجأه الانكسار ؛ لأن دخولهم في الظلام عين حصول الظلام ، فتكون نسبة دخولهم في الظلام إلى نزع ضوءه ، كنسبة الانكسار إلى الكسر ؛ فلهذا جعلا السلخ بمعنى الإخراج دون النزع . انتهى كلامه . وأيد كلامهما بعد هذا التوجيه بوجوه : أحدها : أن الشيء إنما يكون آية إذا اشتمل على نوع استغراب واستعجاب ، بحيث يفتقر لنوع اقتدار ، وذلك إنما هو مفاجأة الظلام عقيب ظهور النهار ، لا عقيب زوال ضوء النهار لي . وثانيها : أن ظهور النهار المضيء أنسب بظهور المسلوخ الأبيض من الجلد الساتر الذي ربما كان أسودا مظلما من ظهور الليل . وثالثها : أن التحقيق وإن كان يقتضي طرئان الضوء على الظلام بمنزلة الساتر ، لكن المتعارف المتبادر إلى فهم العامة عكس ذلك ، حتى كأنهم يعتقدون ويعدون من جملة الضروريات أن الظلام هو الذي يطرأ على الضوء ، فيستره بمنزلة لباس له ، وينكشف عنه فيظهر وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً " 1 " . وأقول بعد ما سمعت الاستقصاء في ترجيح قولهما وتزييف قول غيرهما ، حتى كاد ينقلب القول بالقلب : إن فهم الإظلام بعد انقضاء النهار من قوله : فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ بعيد عن النظم ، ويتبادر منه أنه ترتب على سلخ النهار من الليل ، لا على زوال النهار على أنه لا يخفى التكلف فيما ذكره من تصحيح عدم التراخي ، وما رد به قول الغير أنه حينئذ لا يحسن حديث مفاجئة الإظلام ؛ لأنه إنما يستعمل فيما يتوقع فيه تراخ ، ولا يتوقع حدوثه ، وليس حدوث الإظلام بعد إزالة النهار خلاف المتوقع ، حتى يصح ذكر المفاجئة ، ويمكن دفعه بأن مفاجئة الإظلام إنما تترتب على سلخ النهار من الليل ، وهم يعدونه مفاجئا لعدم علمهم

--> ( 1 ) النبأ : 10 .