ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
195
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
( فكأنّما هو ) أي : ذلك النهار ( مقمر ) ] " 1 " أي : ليل ذو قمر في القاموس المقمر ، والمقمرة ليلة فيها القمر ، فليس الكلام في تقدير الموصوف حتى يرد قول الشارح فيه تسامح ، بناء على أنه في تقدير ليل مقمر ففيه شائبة تركيب على ما وجهه السيد السند ، وللتسامح توجيه آخر ، وهو أن هذا التشبيه في البيت لا يخلو عن تسامح ؛ إذ شبه النهار بالشمس ؛ لأن الضمير المشبه به راجع إليه . والمقصود تشبيه الهيئة شبه النهار المشمس الذي اختلط به أزهار الربوات ، فنقصت باخضرارها من ضوء الشمس ، حتى صار يضرب إلى السواد بالليل المقمر ، فالمشبه مركب ، والمشبه به مفرد . ( وأيضا ) تقسيم آخر للتشبيه باعتبار الطرفين ، ولا يناسب التقسيمات الأخر ؛ لأنها كانت تقسيما لتشبيه واحد ، وهذا تقسيم للتشبيهات المتعددة ؛ إذ لا يتعدد طرفا تشبيه واحد . وأيضا ليس من وظايف البيان ، بل هو من أفراد اللف والنشر الذي من الصنايع البديعية ؛ وكان وجه التعرض له أن الملفوف ربما يلتبس بتشبيه مركب بمركب ، وبتبعيته يتعرض للمفروق وأن لا التباس فيه . ولا يخفى أن الملفوف والمفروق لا يخص بالطرف ، بل يجري في الوجه أيضا . ( إن تعدد طرفاه ) أي : كل من طرفيه ( فإما ملفوف ) قال المصنف وتبعه الشارح : وهو أن يؤتى بالمشبهين أولا ، ثم بالمشبه بهما . هذا وهو قاصر ، ويجب أن يقال : أو بالعكس ؛ لئلا يخرج نحو كالعناب والحشف البالي قلوب الطير رطبا ويابسا . قال الشارح : المراد أعم من الإتيان بطريق العطف أو غيره ، وكأنه أراد به مثل قولنا : كالقمرين زيد وعمرو إذا أريد تشبيه أحدهما بالشمس والآخر بالقمر بقرينة ( كقوله ) أي : قول امرئ القيس يصف العقاب بكثرة اصطياد الطيور
--> ( 1 ) البيتان لأبي تمام من قصيدة يمدح فيها المعتصم ، وهما في ديوانه : 2 / 194 ، والإيضاح : 228 ، والإشارات : 183 ، قوله - تقصيا نظريكما - بمعنى أبلغاه أقصاه ، وقوله - تصور - أصله تتصور بمعنى تتشكل ، والمراد ترياها قائلين ذلك على وجه التعجب ، فالاستفهام مقول لقول محذوف ، والنهار المشمس الذي لا غيم فيه ، وقوله - شابه - بمعنى خالطه ، والربى : جمع ربوة ، وهي الأرض المرتفعة ، ومقمر صفة لمحذوف تقديره ليل مقمر ، وإني أرى أنه لا حاجة إلى تقدير هذا المحذوف ، والمراد أن نبات الربى مع زهره قد خالطها النهار المشمس ، لأن خضرة النبات داخلة أيضا في ذلك التشبيه .