ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
178
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
ومن أكب على شيء فهو عنه يهرب ، ومن أعرض فهو يقرب ، ومن هذا حكم بأن الحرص شؤم ، والحريص محروم ، وقيل لو لم تطلب الرزق يطلبك ، وفي حديث " زر غبّا تزدد حبّا " " 1 " منه شمة لمن له شامه ، وإذا فرغت عن تحقيق معنى البيت فنقول : وبالجملة جعل سكب الدمع وهو البكاء كناية عما يلزم فراق الأحبة من الحزن ، وأصاب لأنه واضح الانتقال ، لأنه كثيرا ما يجعله دليلا عليه ، ويراد به ، وجعل جمود العين كناية عن السرور ، قياسا على جعل السكب لمقابله ، ولم يصبب لأن سكب الدمع قلما يفارق الحزن ، بخلاف جمود العين ، فإنه يعم أزمنة الخلو عن الحزن ، سواء كان زمن السرور أو لا ، فلا ينتقل منه إلى السرور ، بل إلى الخلو من الحزن ، وهذا وجه واضح للخلل في الانتقال إلى ما قصده ، وإن خفى إلى الآن ، وبه يندفع ما ذكره الشارح أنه يصح أن يراد بجمود العين خلوه عن الدمع مجازا ، من باب استعمال المقيد في المطلق ، ثم يكنى به عن المسرة لكونه لازما لها عادة ، إذ عرفت أن الخلو ينفك عن السرور ، لكنهم نظروا إلى أن جمود العين اشتهر في البخل بالدمع ، بناء على اشتهار الجمود في البخل ، حتى يقال للبخيل : جماد كقطام ، ويقال جمد بمعنى بخل ، ويستعمل الجمود في مقابلة الجواد حتى قال الحماسي ( شعر ) : ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط * عليك بجاري دمعها لجمود " 2 " فظنوا أن اشتهار الجمود في البخل يمنع الانتقال من المعنى الحقيقي إلى غيره فمثله ومثل غيره من المعاني المجازية كمثل الشمس والكواكب حيث تختفي مع الشمس ولذا قال : ( فإن الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع لا إلى ما قصده من السرور ) فتعرض لما ينتقل منه إليه ، ولم يكتف بما يهمه من أنه لا ينتقل منه إلى ما قصده تنبيها على أن الخلل في الانتقال ربما يكون من كمال ظهور معنى آخر فيحول بين اللفظ والمقصود ، لكنه يتجه عليه أن ما ذكر في صدر
--> ( 1 ) صحيح ، رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة ، وانظر صحيح الجامع ح 3568 . ( 2 ) البيت لأبي عطاء السندي في رثاء ابن هبيرة عندما قتله المنصور يوم واسط بعد أن أمّنه ، وواسط مدينة بالعراق بناها الحجاج بن يوسف الثقفي ، وقد كنى فيه الشاعر بجمود العين عن بخلها بالدمع في الوقت الذي يجب فيه أن تدمع . انظر البيت في شرح الحماسة ( 2 / 151 ) ، ودلائل الإعجاز ( 269 ) ، والإشارات والتنبيهات ( 12 ) ، والإيضاح ( 8 ) .