حسن بن عبد الله السيرافي
252
شرح كتاب سيبويه
" بجهد ما تبلغنّ " لما كان لا يبلغ إلا بجهد صار كأنه غير واجب ؛ لأنه لم يبلغ على كل حال وكذا بألم ما تختننه أي لا تختن إلا بشرط الألم وهذا المثل يضرب لمن يطلب أمرا لا يناله إلا بمشقة . وقوله : ( في عضة ما ينبتن شكيرها ) يضرب مثلا لما كان له أصل وأمارة تدل على كون شيء آخر . وقوله بعين " ما أرينك " كأنه يقول : أتحقق الذي أراه ولا أشك فيه فهو توكيد : ودخلت " ما " لأجل التوكيد في الأشياء فشبهت باللام . وقد تدخل في الضرورة وليس معها لام . قال الشاعر وهو جديمة الأبرش : ربّما أوفيت في علم * ترفعن ثوبي شمالات " 1 " وإنما حسن هذا لأن " ما " قد زيدت في " رب " و " ترفعن " من حملتها وزعم يونس أنهم يقولون : ( ربما تقولن ذاك ) ، و ( كثر ما تقولن ذاك ) لأنه فعل غير واجب و " ما " لازمة . ولا تقل : ( رب تقولن ) ، ولا ( كثر تقولن ) فأشبهت عندهم لام القسم فجاز دخول النون وليس بمنزلته في القسم ؛ لأن اللام إنما ألزمت اليمين ولا يجوز إطراحها . ولزمت النون اللام للعلة التي ذكرتها من الفصل لأن اللام إنما لزمت اليمين كما لزمت النون اللام وليس مع المقسم به بمنزلة حرف واحد ، ولو لم تلزم اللام لالتبس بالنفي إذا حلف أنه لا يفعل ف ( ما ) تجيء لنسهّل الفعل بعد ( رب ) فلا يشبه ذا القسم . وذلك : " حيث ما تكونن آتك " ، لأنها سهلت الفعل أن يكون مجازاة . وإنما كان ترك النون في هذا أجود ، لأن ( ما ) و ( رب ) بمنزلة حرف واحد نحو ( قد ) و ( سوف ) و ( ما ) و ( حيث ) بمنزلة ( أين ) واللام ليست مع المقسم به كحرف واحد وليست ك ( ما ) التي في : ( بألم ما تختننه ) لأنها ليست مع ما قبلها بمنزلة حرف واحد ؛ لأن اللام لا تسقط كما تسقطها من هذا إن شئت . أما قوله : " فما " تجيء لتسهل الفعل ، بعد ( رب ) ، يريد أن ( رب ) لا تدخل على الفعل . فإذا دخلت ما عليها وليها الفعل وكذلك ( حيث ) لا يجازى بها فإذا دخلت عليها
--> ( 1 ) انظر ابن يعيش : 9 / 40 ، العيني : 3 / 344 ، المغني : 135 ، المؤتلف والمختلف : 39 .