حسن بن عبد الله السيرافي

94

شرح كتاب سيبويه

بعد اللّتيا واللّتيا والتي * إذا علتها أنفس تردّت " 1 " وهي لا محالة صلة لما قبلها ، وإنما يعني : بعد مراكب من الهول والشّدة إذا ركبتها أنفس تردّت ، أي هلكت . ويجوز أن يكون صلة لأخراها ، وصلة الأوليين محذوفة ، ويجوز أن يكون جعلها كلّها كشيء واحد ؛ لأنها في مذهب واحد ، وجعل الصلة لها كلّها كأنها موصول واحد ، ومثله مما احتجّ به حذف أحد من قوله : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا . . . " 2 " وحذف المضاف إليه من غير وهو أسهل من حذف الصلة بعد الموصول ؛ لأنّ المضاف قد يستغني عن المضاف إليه ، ولا يستغني الموصول عن الصلة ؛ ألا ترى أنا لو حذفنا زيد من غلام زيد لجاز أن تقول : مررت بغلام ، ولو حذف صلة من من قولك : مررت بمن في الدار لم يجز أن تقول : مررت بمن ؛ فاعرف ذلك إن شاء اللّه . ويجوز أن يكون تصغير اللّتيا لمّا كان دلالة على الشّدّة والجهد عرف معناه فأغني عن الصلة ؛ لأنّ الصلة توضح ما لا يعرف ، ودخلت التي في معنى اللّتيا بالعطف . هذا باب لا يكون وليس وما أشبههما فإذا جاءتا وفيهما معنى الاستثناء فإنّ فيهما إضمارا ، على هذا وقع فيهما معنى الاستثناء ، كما أنه لا يقع معنى النهي في حسبك إلّا أن يكون مبتدأ . وذلك قولك : أتاني القوم ليس زيدا ، وأتوني لا يكون زيدا ، وما أتاني أحد لا يكون زيدا ، كأنه حين قال : أتوني ، صار المخاطب عنده قد وقع في خلده أنّ بعض الآتين زيد ، حتى كأنه قال : بعضهم زيد ، فكأنه قال : ليس بعضهم زيدا . وترك إظهار بعض استغناء ، كما ترك الإظهار في لات حين ذاك . فهذه حالهما في حال الاستثناء ، وعلى هذا وقع فيهما الاستثناء ؛ فأجرهما كما أجروهما . وقد يكون صفة ، وهو قول الخليل . وذلك قولك : ما أتاني أحد ليس زيدا ، وما أتاني رجل لا يكون زيدا إذا جعلت ليس ، ولا يكون ، بمنزلة قولك : ما أتاني أحد لا يقول ذاك ، إذا كان لا يقول ذاك في موضع قائل ذلك . ويدلك على أنه صفة أنّ بعضهم يقول : ما أتتني امرأة لا تكون فلانة ، وما أتتني

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سورة النساء ، من الآية 159 .