حسن بن عبد الله السيرافي
249
شرح كتاب سيبويه
وإنما ذكرت لك هذا التصرّف وجوهه ومعانيه ، وألا تستحيل منه مستقيما ، فإنه كلام يستعمله الناس . ومما جاء منقطعا من الأول قول عبد الرحمن بن أم الحكم : على الحكم المأتيّ يوما إذا قضى * قضيته ألا يجوز ويقصد " 1 " كأنه قال : عليه غير الجور ، ولكنه يقصد ، أو هو قاصد ، فابتدأ ولم يحمل الكلام على ( أن ) ، كما تقول : عليه أن لا يجوز ويقصد ، وينبغي له كذا وكذا ؛ فالابتداء في هذا أسبق وأعرف ، لأنها بمنزلة قولك : كأنه قال : ونؤلك . فمن ثمّ لا يكادون يحملونها على ( أن ) . قال أبو سعيد : حروف العطف إنما تعطف ما دخل في معنى الأول ، فإن لم يدخل في معناه رفع على الاستئناف كقولك : أريد أن تزورني ، وأريد أن تأتيني فتقعد عني ، وأريد أن تطيعني فتخالفني فما بعد ( الفاء ) في هذا ونحوه مرفوع لا غير ، لأنه لم يدخل في الإرادة ، و ( أن ) الناصبة كانت في صلة الإرادة ، فلو نصبنا الثاني ، وعطفناه على الأول ، كان قد دخل في الإرادة ؛ وإنما ينصب بحروف العطف ما يصح دخوله في معنى الأول ، كنحو ما ذكره سيبويه وما يصح دخوله في معنى الأول ؛ وقد يجوز أن يقطع عنه ويستأنف . وقول اللّه - تبارك وتعالى - : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً " 2 " من قرأ بالرفع فهو عطف جملة على جملة بعد تمامها ، كأن قوله : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [ آل عمران : 79 ] قد انقطعت الجملة عند قوله ( تدرسون ) ثم ابتدأ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً [ آل عمران : 79 ] ؛ ومن قرأ ( وَلا يَأْمُرَكُمْ ) فهو في الجملة الأولى ، لأن معناه : ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون اللّه ، ولا كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ؛ وفي هذا الوجه في ( يأمركم ) ضمير فاعل من ( بشر ) وفي الوجه الأول ضمير فاعل من ( اللّه ) تعالى . وأما قول اللّه - تبارك وتعالى - : لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ " 3 " فلا يصح
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ، ابن يعيش 7 / 38 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 79 . ( 3 ) سورة الحج ، الآية : 5 .