حسن بن عبد الله السيرافي

224

شرح كتاب سيبويه

على : فأنت تحدّثنا الساعة ، والرفع فيه يجوز على ( ما ) . وإنما اختير النصب لأن الوجه هاهنا وحدّ الكلام أن تقول : ما أتيتنا فحدثتنا ، فلما صرفوه عن هذا ضعف أن يضموا ( تفعل ) إلى ( فعلت ) ، فحملوه على الاسم ، كما لم يجز أن يضموه إلى الاسم في قولهم : ما أنت منا فتنصرنا ونحوه . وأما الذين رفعوه فحملوه على موضع ( أتيتنا ) ، لأن ( أتيتنا ) في موضع فعل مرفوع ، و ( تحدثنا ) هاهنا في موضع ( حدّثتنا ) . وتقول : ما تأتينا فتكلّم إلا بالجميل ، فالمعنى : أنك لم تأتنا إلا تكلمت بجميل ، ونصبه على إضمار ( أن ) ، كما كان نصب ما قبله على إضمار ( أن ) ، وتمثيله كتمثيل الأول ؛ وإن شئت رفعت على الشّركة كأنه قال : وما تكلّم إلا بالجميل . ومثل النصب قول الفرزدق : وما قام منّا قائم في ندينّا * فينطق إلّا بالتي هي أعرف " 1 " وتقول : لا تأتينا فتحدّثنا إلا ازددنا فيك رغبة ، والنصب هاهنا كالنصب في : ما تأتيني فتحدّثني ، إذا أردت معنى : ما تأتيني فتكون محدّثا ، وإنما أراد معنى : ما أتيتني فتكون محدثا إلا ازددت فيك رغبة ، ومثل ذلك قول اللعين المنقري : وما حلّ سعدىّ غريببا ببلدة * فينسب إلا الزّبرقان له أب " 2 " وتقول : لا يسعني شئ فيعجز عنك ، أي : لا يسعني شئ فيكون عاجزا عنك ولا يسعني شئ إلا لم يعجز عنك . هذا معنى الكلام ، وإن حملته على الأول قبح المعنى ، لأنك لا تريد أن تقول : إن الأشياء لا تسعني ولا تعجز عنك فهذا لا ينويه أحد وتقول : ما أنت منا فتحدثنا ، ولا يكون الفعل محمولا على ( ما ) ، لأن الذي قبل الفعل ليس من الأفعال فلم يشاكله ، قال الفرزدق : ما أنت من قيس فتنبح دونها * ولا من تميم في اللّها والغلاصم " 3 " وإن شئت رفعت على قوله : فترجّى وتكثر التّأميلا " 4 "

--> ( 1 ) البيت في ديوانه 2 / 29 ؛ الخزانة 8 / 540 . ( 2 ) البيت في ديوانه ؛ الخزانة 3 / 207 ، 8 / 541 ، 543 ، الكتاب 3 / 32 . ( 3 ) البيت في ديوانه 2 / 313 ؛ الكتاب 3 / 33 ؛ المقتضب 2 / 117 . ( 4 ) سبق تخريجه .