حسن بن عبد الله السيرافي
208
شرح كتاب سيبويه
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم * لا يسألون عن السّواد المقبل " 1 " ومثل ذلك : مرض حتى يمرّ به الطائر فيرحمه ، وسرت حتى يعلم اللّه أننّي كالّ . فالفعل هاهنا منقطع من الأوّل ، وهو في الوجه الأول الذي ارتفع فيه متّصل كاتصاله بالفاء ، كأنه قال : كان سير فدخول ، كما قال علقمة بن عبدة : ترادى على دمن الحياض فإن تعف * فإنّ المندّى رحلة فركوب " 2 " لم يجعل ركوبه الآن ورحلته فيما مضي ، ولم يجعل الدخول الآن وسيره فيما مضي ، ولكنّ الآخر متصل بالأوّل ، ولم يقع واحد دون الآخر . وإذا قلت : لقد ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم ، فليس كقولك : سرت فأدخلها ، إذا لم ترد أن تجعل الدخول السّاعة ؛ لأنّ السير والدخول جميعا وقعا فيما مضى . وكذلك مرض حتى لا يرجونه ، أي حتى إنّه الآن لا يرجونه ؛ فهذا ليس متّصلا بالأول واقعا معه فيما مضى . وليس قولنا كاتصال الفاء يعني أنّ معناه معنى الفاء ، ولكنّك أردت أن تخبر أنّه متّصل بالأول ، وأنّهما وقعا فيما مضى . وليس بين حتى في الاتصال وبينه في الانفصال فرق في أنّه بمنزلة حرف الابتداء ، وأنّ المعنى واحد إلا أنّ أحد الموضعين الدخول فيه بالسّير متصل ، وقد مضى السير والدخول ، وإنما اتصاله في أنّه كان فيما مضى ، وإلا فإنّه ليس يفارق موضعه الآخر في شيء إذا رفعت " . قال أبو سعيد : من مذهب سيبويه : أنّ حتى من الحروف الخافضة للأسماء كاللام الخافضة للأسماء ، وأنّها إذا نصبت الفعل فإنما تنصبه بإضمار أن كاللام ، وقال الكسائي : حتى لا تخفض ، إنّما تخفض بعدها إلى مضمرة ومظهرة ، فيقال : أكلت السمكة حتى إلى رأسها ؛ فقد حصل بهذا أنّ حتى لا تعمل في الأسماء شيئا إذ كان الخفض بعدها بغيرها . وقال الفرّاء وأصحابه : حتى من عوامل الأفعال مجراها مجري كي وأن ، وليس عملها لازما في الأفعال إذ كان يبطل في : سرت حتى صبّحت القادسيّة ، ودفعت حتى وصلت إلى الأمير ، ثم لمّا صحبت إلى خفضت الأسماء لنيابتها عن إلى ، وأنّها إذا عملت في
--> ( 1 ) البيت في ديوانه 123 ، الخزانة 2 / 412 ؛ الكتاب 3 / 19 . ( 2 ) البيت في ديوانه 14 ، الكتاب 3 / 19 ؛ والمقتضب 2 / 39 .