حسن بن عبد الله السيرافي

185

شرح كتاب سيبويه

يسأله عمّا يحتمله كلامه ، وقد يجوز أن يكون حرف الاستفهام في كلام السائل نصبا ، وفي كلام المجيب رفعا على الاستئناف والابتداء والخبر كقولك : ما رأيت ؟ فيقول : خير ، وما في موضع نصب ، وكيف أصبحت ؟ فيقول : صالح ، كأنه قال : أنا صالح ، والوجه حمل الجواب على ما يوجبه إعراب السؤال . ويجوز أيضا أن يكون لفظ الاستفهام في موضع رفع ، ويكون الجواب نصبا محمولا على الفعل الذي في الكلام ؛ لأنّ المعنى لا يتغيّر ؛ كقولك : زيدا إذا قيل لك من الذي رأيت ؟ كأنك قلت : رأيت زيدا . وأمّا قوله عز وجلّ : ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ النحل : 24 ] فالذي عند ذوي التحصيل أنّ أساطير الأولين ليس بجواب لأنّ الّذين قالوا : أساطير الأولين لم يكونوا معترفين بأنّ اللّه أنزل شيئا ، وإنّما تقديره : هذا الذي جاء به محمد أساطير الأولين ، وكأنّهم عدلوا عمّا سئلوا عنه . وأمّا قوله : دعي ما ذا علمت سأتقيه فالحرفان جميعا بمعنى الذي ، وعلمت صلة ، والعائد هاء محذوفة من علمته ، وسبيل ماذا في كونها بمعنى الذي كسبيل ما وحدها إذا كانت بمعنى الذي . فإن قال قائل : هلا جعلتم ما زائدة وجعلتم ذا وحدها بمعنى الذي كما قال اللّه عز وجلّ : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [ طه : 17 ] . تلك : بمعنى التي وبيمينك صلة ، وكما قال يزيد بن مفرّغ : عدس ما لعبّاد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق " 1 " هذا بمعنى الذي وتحملين صلته كأنه قال : والذي تحملين طليق ، فالجواب أنّ تلك وهذا وما جرى مجراهما من أسماء الإشارة لا يكنّ عند أصحابنا بمعنى الذي وأخواتها ، إلا ذا وحدها إذا كان قبلها ما ، فلمّا كانت ذا لا تكون بمنزلة الذي حتى يكون قبلها ما لم يجز أن تكون زائدة كان إخراجها من الكلام يبطل المعنى المقصود بذا . " وما تلك بيمينك " بيمينك عند أصحابنا في موضع الحال ، كما تكون في موضع الصّفة إذا قلت : مررت بعصا بيمينك ، كأنه قال : مستقرة بيمينك ، وكذلك تحملين في موضع الحال ، كأنه قال : وهذا حاملته أنت طليق ، وتقديره : حاملة له أنت طليق ، وأسهل من هذا في التقدير : وهذا محمولا طليق . ومما يشبه ما ذكرناه قول أبي ذؤيب : لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل " 2 "

--> ( 1 ) البيت سبق تخريجه . ( 2 ) البيت من ديوانه ، الخزانة 5 / 484 ، 6 / 166 ؛ وتاج العروس ( أصل ، فيأ ) .