حسن بن عبد الله السيرافي
125
شرح كتاب سيبويه
رأيت ، وك رأيت . فإذا كان المفعولان اللّذان تعدّى إليهما فعل الفاعل مخاطبا وغائبا ، فبدأت بالمخاطب قبل الغائب ، فإنّ علامة الغائب العلامة التي لا يقع موقعها إيّا ، وذلك قولك : أعطيتكه وأعطاكه ، وقال عز وجل : فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ " 1 " ؛ فهذا كذا إذا بدأت بالمخاطب قبل الغائب . وإنّما كان المخاطب أولى بأن يبدأ به من قبل أنّ المخاطب أقرب إلى المتكلّم من الغائب ، فكما كان المتكلم أولى بأن يبدأ بنفسه كان المخاطب الذي هو أقرب من الغائب أولى بأن يبدأ به . فإن بدأت بالغائب فقلت : أعطاهوك فهو في القبح ، وأنه لا يجوز ، بمنزلة الغائب والمخاطب إذا بدئ بهما قبل المتكلّم ، ولكنك إذا بدأت بالغائب قلت : أعطاه إيّاك . وأمّا قول النّحويين : أعطاهوك وأعطاهوني ، فإنما هو شيء قاسوه لم يتكلم به العرب ، فوضعوا الحروف غير مواضعها ، وكان قياس هذا لو تكلّم به هيّنا . ويدخل على من قال هذا أن يقول إذا منحته نفسه : منحتنيني . ألا ترى أنّ القياس قد قبح إذا وضعت ( ني ) في غير موضعها ، فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت : أعطاهوها وأعطاهاه جاز ، وهو عربيّ . ولا عليك بأيّهما بدأت ، من قبل أنهما كلاهما غائب . وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم ؛ والأكثر في كلامهم : أعطاه إيّاه . على أنّ الشاعر قد قال : وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة * لضغمهما ها يقرع العظم نابها " 2 " ولم تستحكم علامات الإضمار هاهنا ، كما لم تستحكم في : عجبت من ضربي إيّاك ، ولا في : كان إيّاه ، وليس إيّاه . وتقول : حسبتك إيّاه ، وحسبتني إيّاه ؛ لأنّ حسبتنيه وحسبتكه قليل في كلامهم ؛
--> ( 1 ) سورة هود ، من الآية 28 . ( 2 ) البيت منسوب لمغلس بن لقيط ، الخزانة 5 / 301 ، 303 ؛ ابن يعيش 3 / 105 ؛ والكتاب 2 / 365 ؛ واللسان ( ضغم - جعل ) .