حسن بن عبد الله السيرافي

119

شرح كتاب سيبويه

وما ضررت إلا إياي . فإن قال قائل : فأنت قد تقول : ظننتني قائما ، وحسبتك منطلقا فتعدّي فعله إلى نفسه . فهلا استحسنت كنتك على هذا ؟ قيل له : إنما جاز حسبتك منطلقا ونحوه ، لأنّ المحسبة وبابها لا تقع على المفعول الأول في الحقيقة ، فلم يعتدّ به ، وإنما هي واقعة على المفعول الثاني ، فإذا قلت : كان زيد منطلقا ، فالمعتمد بالإخبار الانطلاق . والذي يقول : ليسني ، وكأنني فعلى شبيه اللفظ حين جعل الاسم والخبر في هذه الأفعال بمنزلة الفاعل والمفعول به . وقد حكي عن بعض العرب أنه قال : عليه رجلا ليسني ، لرجل ذكر له أنه يريده ، وقد شبّه ليس لقلة تمكّنها بالحرف ، فقيل : ليس كما قيل : ليتي ولعلّي ، كما قال الشاعر فيما أنشدنا أبو بكر بن دريد : عددت قومي كعديد الطّيس * إذ ذهب القوم الكرام ليسي " 1 " وأما قوله : ( لأن إيّا ، وأنت علامتا الإضمار ) ، فهو مخالف لما ذكره في باب إياك عن الخليل ، حيث جعل الكاف في موضع خفض بإضافة إيّا إليها في قوله : إياك نفسك ، وإياه وإيّا الشّوابّ ؛ لأن إيّا إذا كانت علامة إضمار لم يجز إضافته إلى شيء ، كما أن المضمر ، لا يضاف . والصحيح من الأقاويل المقولة في إيّاك : أنها مضافة إلى ما بعدها ، وأنّ ما بعدها مخفوض بالإضافة ، وأنّ منزلة إيّا منزله اسم ظاهر مضاف إلى ما بعده ، والمضاف والمضاف إليه كشيء واحد ، كقولك : رأيتك نفسك ، ومررت بك نفسك ، وقمت أنت نفسك : فالنفس في الحقيقة ليست غير الذي أضيفت إليه ؛ لأنك إذا قلت : ضربتك نفسك فلست تقصد بالنفس إلى إلي بعضه ولا إلى شيء سواه ، وإنما قال سيبويه : ( إيا : علامة المضمر ) ؛ لأنها وضعت ليوصّل بها إلى لفظ المضمر في الموضع الذي لا يتّصل بعامله ، وذلك أنّ ضمير المخفوض والمنصوب لفظهما واحد في أصل الموضوع لاشتراكهما في أشياء كثيرة ذكرت في مواضعها ، وضمير المخفوض لا يكون إلا متصلا ، وكان حقّ المنصوب أن يكون كذلك إلا أنه عرض للمنصوب حال اختصّ بها من جواز التقديم والتأخير ، والفصل بينه وبين عامله . فإذا أضمر لم يكن وصلة ، وذلك نحو قولك : إياك ضربت ، أصله : ضربتك ، والكاف لا يتكلم بها وحدها منفصلة من ضربت ، فلما

--> ( 1 ) البيت في ديوانه 175 ؛ والخزانة 5 / 324 ، 325 ؛ ابن يعيش 3 / 108 ؛ ولسان العرب وتاج العروس ( طيس ) .