حسن بن عبد الله السيرافي
77
شرح كتاب سيبويه
ولا يصلح أن تقول : الأفضل منك أبا ، لأن منك إنما تدخل إذا كان " أفضل " في معنى الفعل : لابتداء الغاية التي منها ابتداء الفضل فإذا نقلت إلى الذات بطل ذلك المعنى ، وصار " الأفضل " بمعنى الفاضل ، فكما لا يجوز أن تقول : " الفاضل منك " لم يجز أن تقول : " الأفضل منك " . وقال الزجاج : فرقهم بالنون قولهم في التثنية " الأفضلان " والجمع " الأفضلون " مثل : بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا فهذه النون فاصلة لأنها جعلت الآخر غير الأول . قال سيبويه : ( وقد جاء من الفعل ما أنفذ إلى مفعول ، ولم يقو قوة غيره ، مما تعدى إلى مفعول ، وذلك قولك : امتلأت ماء ، وتفقأت شحما ) . قال أبو سعيد : اعلم أن هذا الباب مثل ما تقدم من نقل الفعل عن الثاني إلى الأول وذلك أن قولك : امتلأت ماء ، معناه امتلأ مائي ، وتفقأت شحما ، أي تفقأ شحمي ، ومثله : " تصببت عرقا " و اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً " 1 " وإنما هو تصبب عرقي ، واشتعل شيب الرأس ، فنقل الفعل عن الثاني إلى الأول ، ونزع عن الثاني ، فارتفع الأول بالفعل المنقول إليه ، فصار فاعلا في اللفظ ، فمنع الفعل أن يعمل في فاعله على الحقيقة فيرفعه ؛ لأنه لا يرتفع به أكثر من واحد وتوابعه ، وانتصب المنقول عنه الفعل ؛ لأن الفعل لا تصح إضافته إليه فينخفض به ولا يرتفع به وقد ارتفع به غيره ، ولم يبق إلا النصب فنصب . فإن قال قائل : فلم نكّر ولم تدخل عليه الألف واللام كما فعل ذلك في الوجه من قولك : حسن الوجه ؟ فإن الجواب في ذلك أن " تفقأت شحما " وبابه وإن كان قد شابه " حسن الوجه " من جهة ، فقد فارقه من غيرها ، وذلك أن " حسن الوجه " انتقل الفعل عنه إلى اسم الفاعل ، وصار المنقول عنه بمنزلة المفعول ، والمنقول إليه بمنزلة اسم الفاعل الذي يضاف مرة وينون أخرى فيعمل ، ولا يكتفي " الحسن " بنفسه ، إذا أردت به حسن الوجه . و " تفقأت " قد يكتفي بنفسه ، فيقال : " تفقأت " ويسكت عليه ، غير أن التفقؤ يكون من أشياء ، فصار " تفقأت " بمنزلة " عشرين " لأنك تتفقأ من أشياء كثيرة ، كما أن " العشرين " تكون من أشياء كثيرة ، فلما كان إبانة " العشرين " بنكرة الجنس على طريق التمييز ، وجب أن تكون إبانة التفقؤ بنكرة على طريق التمييز ؛ ولا يجوز إدخال الألف
--> ( 1 ) سورة مريم ، آية : 4 .