حسن بن عبد الله السيرافي

57

شرح كتاب سيبويه

والشاهد في البيت الثاني في قوله : " جونتا مصطلاهما " فجونتا مثنى ، وهو بمنزلة " حسنتا " وقد أضيفتا إلى " مصطلاهما " ، ومصطلاهما بمنزلة " وجوههما " فكأنه قال : حسنتا وجوههما ، والضمير الذي في مصطلاهما يعود إلى " جارتا صفا " . ومعنى " جارتا صفا " الأثافي و " الصفا " هو الجبل ، وإنما يبنى في أصل الجبل في موضعين ما يوضع عليه القدر ، ويكون الجبل هو الثالث ، فالبناء في الموضعين هما جارتا صفا ، وقوله : " كميتا الأعالي " ، يعني أن الأعالي من موضع الأثافي لم تسود ؛ لأن الدخان لم يصل إليها فهي على لون الجبل ، وجعل ما علا من الجبل أعالي الجارتين ، و " جونتا مصطلاهما " يعني مسودّتا المصطلى ، يعني الجارتين ، مسودّتا " المصطلى " ؛ وهو موضع الوقود . وقد أنكر ذلك على سيبويه ، وخرّج للبيت ما يخرّج به عن " حسن وجهه " ، و " حسنة وجهها " وذلك أنه لا خلاف بين النحويين أن قولنا : " زيد حسن وجه الأخ جيد بالغ ، وأنه يجوز أن تكني عن الأخ فتقول : " زيد " حسن وجه الأخ وجميل وجهه فالهاء تعود إلى الأخ ، لا إلى زيد ، فكأنا قلنا : زيد حسن وجه الأخ وجميل وجه الأخ ، فعلى هذا قوله : " كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما " كأنه قال : كميتا الأعالي ، جونتا مصطلى الأعالي ، فالضمير في " المصطلى " يعود إلى " الأعالي " ، لا إلى الجارتين ، فيصير بمنزلة قولك : " الهندان حسنتا الوجوه ، مليحتا خدودهما " فإن أردت بالضمير الذي في خدودهما " الوجوه " كان الكلام مستقيما كأنك قلت : حسنتا الوجوه ، مليحتا خدود الوجوه ، وإن أردت بالضمير فإن أردت بالضمير " الهندين " فالمسألة فاسدة ، فكذلك " جونتا مصطلاهما " إن أردت بالضمير الأعالي ؛ فهو صحيح وإن أردت بالضمير الجارتين فهو رديء ، لأنه مثل قولك : " هند حسنة وجهها " . فإن قال قائل : فإذا كان الضمير الذي في " مصطلاهما " يعود إلى الأعالي فلم ثنّي والأعالي جمع ؟ قيل له : الأعالي في معنى الأعليين فرد الضمير إلى الأصل ، ومثله : متى ما تلقني فردين ترجف * روانف أليتيك وتستطارا " 1 "

--> ( 1 ) البيت لعنترة الخزانة 3 / 359 ، الدرر 2 / 80 .