حسن بن عبد الله السيرافي

5

شرح كتاب سيبويه

يعني : وإن شئت رفعت كلا بالابتداء ، وجعلت الجملة في موضع الخبر ، وأضمرت الهاء في " عارف " على لغة بني تميم كما قلت : " كلّه لم أصنع " فرفعت " كلّ " بالابتداء ، وأضمرت في " أصنع " هاء تعود إلى " كلّ " ، ومعنى قوله : " وهذا أبعد الوجهين " . يعنى : رفع كل بالابتداء أبعد الوجهين ؛ وذلك لأن من يرفعه بالابتداء لا يعمل " ما " ؛ فإذا لم يعملها أمكنه أن يعمل " عارف " في " كل " ، فإذا لم يعمل فقد قبح ؛ إذ قد وجد السبيل إلى الكلام المختار ، ولا ضرورة تدعو إلى غيره ، ومن رفع " كلّ " " بما " فهو لا يجد السبيل إلى إعمال " عارف " في " كل " إلا بحذف " ما " ، وحذفها يغير المعنى . قال : ( وقد زعم بعضهم أنّ " ليس " تجعل ك " ما " وذلك قليل لا يكاد يعرف ، فهذا يجوز أن يكون منه : " ليس خلق اللّه مثله " و " ليس قالها زيد " ) . يعني أن بعضهم يجعل " ليس " محمولة على " ما " فيلغي عملها ، ولا يجوز أن يكون الذي يفعل هذا من العرب ، إلا من كانت من لغته في " ما " إلغاؤها ، فتحمل " ليس " على " ما " ، وتجعلها حرفا لا تعمل في اللفظ شيئا ، كما لم تعمل " ما " ، وليس على هذه اللغة دليل قاطع ، ولا حجّة تقطع العذر ؛ لأن كل ما يستشهد به يحتمل التأويل ؛ لأنه إذا احتجّ محتج بقولهم : " ليس خلق اللّه مثله " فقال : " خلق " فعل ، ولو كانت " ليس " فعلا لما وليها الفعل ، فللقائل أن يقول في : " ليس " ضمير الأمر والشأن و " خلق " وما بعده جملة في موضع الخبر ؛ فلذلك قال سيبويه : " فهذا يجوز أن يكون منه " لهذا المعنى الذي ذكرناه . وقد احتجوا بشيء آخر - وهو أقوى من الأول - وهو قول بعض العرب : " ليس الطيب إلا المسك " فقالوا : هذا بمنزلة : ما الطيب إلا المسك ، قالوا : ولو كان في " ليس " ضمير الأمر والشأن ، لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمة بنفسها ، وفي موضع خبرها ، ونحن لا نقول : " الطيب إلا المسك " بغير تقديم حرف النفي ، وليس الأمر على ما ظنوا ؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها في المعنى ، ألا ترى أنك إذا قلت : " ما زيد أبوه قائم " فقد نفيت قيام أبيه كما لو قلت : " ما أبو زيد قائم " وعلى هذا يجوز أن تقول : " ما زيد أبوه إلا قائم " ، كأنك قلت : " ما أبو زيد إلا قائم " .