حسن بن عبد الله السيرافي
484
شرح كتاب سيبويه
وإذا قال لك رجل : كم لك ؟ فقد سألك عن عدد ، لأن ( كم ) هو اسم لعدة . فإذا قال : كم لك درهما ؟ أو كم درهما لك ؟ ففسرت ما يسأل عنه قلت : عشرون درهما . فعملت في الدرهم عمل العشرين في الدرهم ولك مبنية على كم . واعلم أن ( كم ) تعمل في كل شيء حسن للعشرين أن تعمل فيه ، فإذا قبح للعشرين أن تعمل في شيء قبح ذلك في ( كم ) لأن العشرين عدد منوّن ، وكذلك ( كم ) هو منون عندهم ، كما أن خمسة عشر عندهم بمنزلة ما قد لفظوا بتنوينه ، لولا ذلك لم يقولوا : خمسة عشر درهما ولكن التنوين ذهب منه كما ذهب مما لا يتصرف ، وموضعه موضع اسم منون . وكذلك ( كم ) موضعها موضع اسم منون ، وذهبت منها الحركة ، كما ذهبت من ( إذ ) لأنهما غير متمكنين في الكلام ، وذلك أنك لو قلت : كم لك الدرهم لم يجز ، كما لم يجز في قولك : عشرون الدرهم ، ولأنهم إنما أرادوا عشرون من الدراهم ، هذا معنى الكلام ، ولكنهم حذفوا الألف واللام وصيروه إلى الواحد ، وحذفوا ( من ) استخفافا كما قالوا : هذا أول فارس في الناس وإنما يريدون : هذا أول من الفرسان فحذف الكلام . وكذلك ( كم ) إنما أرادوا كم لك من الدراهم ؟ وزعم أن قولك العشرون لك درهما فيها قبح ، ولكنها جازت في ( كم ) جوازا حسنا ؛ كأنه صار عوضا من التمكن في الكلام ؛ لأنها لا تكون إلا مبتدأة ولا تؤخر فاعله ولا مفعوله ، ولا تقول : رأيت كم رجلا ، وإنما تقول : كم رجلا رأيت . وتقول : كم رجل أتاني ، ولا تقول : أتاني كم رجل . ولو قال : أتاك ثلاثون - اليوم - رجلا كان قبيحا ؛ لأنه لا يقوى قوة الفاعل وليس مثل ( كم ) لما ذكرت لك . وقال الشاعر : على أنني - بعد ما قد مضى - * ثلاثون للهجر حولا كميلا يذكر منك حنين العجول * ونوح الحمامة تدعو هديلا " 1 " و ( كم رجلا أتاك ) أقوى من : ( كم أتاك رجلا ) ، وكم هاهنا فاعلة . و ( كم رجلا ضربت ) أقوى من : ( كم ضربت رجلا ) ، وكم هاهنا معقولة .
--> ( 1 ) البيتان منسوبان لعباس بن مرداس في الخزانة الشاهد 216 ، ابن يعيش 4 / 130 ، العيني 4 / 481 .