حسن بن عبد الله السيرافي
46
شرح كتاب سيبويه
إنه العامل في الاسم ، لما كان خلفا من العامل . ويجوز إضافة المصدر إلى الفاعل إن شئت ، وإلى المفعول ؛ لتعلقه بكل واحد منها ؛ فتعلقه بالفاعل وقوعه منه ، وتعلقه بالمفعول وقوعه به ، فإلى أيهما أضفته جررته ، وأجريت ما بعده على حكمه ، إن كان فاعلا فمرفوع وإن كان مفعولا فمنصوب ، كقولك : عجبت من دقّ الثوب القصار " إذا أضفت إلى المفعول ، و " من دقّ القصار الثوب " إن أضفت إلى الفاعل ، وإنما جاز أن تأتي بعد المصدر بالفاعل والمفعول ، ولم يجز أن تأتي بعد اسم الفاعل إلا بالمفعول ؛ من قبل أن المصدر غير الفاعل وغير المفعول . فلا يستغنى بذكره عن ذكرهما ، واسم الفاعل هو الفاعل ، فلا يحتاج إلى ذكر الفاعل بعده ، ولا يجوز إضافته إلى الفاعل ، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه . ومعنى قول سيبويه : " وإنما خالف هذا الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع " . يعني : خالف المصدر الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع وهو اسم الفاعل ؛ من أجل ما ذكرنا وهو أن المصدر ليس بفاعل ولا مفعول . قال : فمما جاء من هذا قوله عز وجل : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ " 1 " فالتقدير فيه : أو أن تطعموا ، فحذف الفاعل ، ولو أظهر لقال أو إطعام أنتم . ويجوز عندي ألّا يقدر فاعل وينصب بالمصدر نفسه ، كما نصب التمييز في قولك : " عشرون درهما " ، و " ما في السماء موضع راحة سحابا " من غير أن يقدّر فاعل . فإن قال قائل : فإذا نصبت " يتيما " ولم تقدر فاعلا في " إطعام " وشبّهته " بعشرين " ؛ فقد جعلته تمييزا فلا يجوز أن تنصب إلا نكرة ، ولا يقال " أو إطعام زيدا " ، قيل له : نحن وإن نصبناه من غير أن نقدر فاعلا ، فإنما ننصبه تشبيها بالفعل الذي ينصب المفعول ، فلا يلزم أن يكون مثل الفعل في جميع أحواله ، ألا ترى أنا نقول : " أو إطعام زيد عمرا " فننصب " عمرا " بإطعام ، ونقيم " زيدا " منه مقام التنوين وهو مجرور ، ولا نقدر فاعلا غير " زيد " ، فقد حصل في المصدر بطلان لفظ الفاعل الذي هو مرفوع من الفعل لا محالة ، ولم يكن المصدر في هذه الحال بمنزلة الفعل ، فكذلك ما ذكرناه .
--> ( 1 ) سورة البلد ، آية : 14 ، 15 .