حسن بن عبد الله السيرافي
437
شرح كتاب سيبويه
إنّى وإيّاك إذ حلّت بأرحلنا * كمن بواديه بعد المحل ممطور " 1 " جرّ ممطور لأنه صفة من ، كأنه قال : كإنسان ممطور . قال : وأما هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ " 2 " فرفعه على وجهين : على شيء لديّ عتيد ، يجعل ما بمنزلة شيء ، كأنه قال : هذا شيء لديّ عتيد . وقد أدخلوا في قول من قال نكرة فقالوا : هل رأيتم شيئا يكون موصوفا لا يسكت عليه ؟ فقالوا : نعم يا أيها الرجل . الرجل وصف لقوله يا أيها ، ولا يجوز أن يسكت على يا أيّها ، فربّ اسم لا يحسن عليه عندهم السكوت حتى يصفوه وحتى يصير وصفه عندهم كأنه به يتم الاسم ؛ لأنهم إنما جاءوا بأيّها ليصلوا إلى نداء الذي فيه الألف واللام ، فلذلك جيء به . كذلك ( من ) و ( ما ) إنما يذكران لحشوهما ولوصفهما ، ولم يرد بهما خلوين شيء ، ولزمهما الوصف كما لزمهما الحشو ، وليس لهما بغير حشو ولا وصف معنى ، فمن ثم كان الوصف والحشو واحدا ، فالوصف قولك : مررت بمن صالح ، فصالح وصف . وإن أردت الحشو قلت : بمن صالح ، فيصير صالح خبرا لشيء مضمر ، كأنك قلت : مررت بمن هو صالح ، والحشو لا يكون أبدا ل ( من ) و ( ما ) إلّا وهما معرفة ؛ وذلك من قبل أن الحشو إذا صار فيهما أشبهتا الذي ، فكما أنّ الذي لا يكون إلا معرفة لا تكون من وما إذا كان الذي بعدهما حشوا وهو الصلة إلّا معرفة وتقول : هذا من أعرف منطلق ، فتجعل أعرف صفة . يصير كأنك قلت : هذا من معروف منطلق ، بمنزلة رجل معروف . وتقول هذا من أعرف منطلقا ، تجعل أعرف صلة . وقد يجوز منطلق على قولك : هذا عبد اللّه منطلق ومثل ذلك : الجمّاء الغفير ، فالغفير وصف لازم ، وهو توكيد ؛ لأنّ الجمّاء الغفير مثل ، فلزم الغفير كما لزم ما في قولك : إنك ما وخبزا ، والخبز في هذا ونحوه عند أصحابنا محذوف ، وتقديره إنك وخبزا مقرونان ، وما زائدة ، وهي لازمة عوضا عن المحذوف ، ومثل هذا : كل رجل وقرينه ، وكل إنسان وصنعته ، عند أصحابنا البصريين الخبر محذوف ، وتقديره : كلّ رجل وقرينه مقرونان ، وكذلك كل إنسان وصنعته ، وعند الكوفيين
--> ( 1 ) ديوان الفرزدق ، ص : 263 ، وروايته : إني وإيّاك إن بلّغن أرحلنا * كمن بواديه بعد المحل ممطور . ( 2 ) سورة ق ، الآية : 23 .