حسن بن عبد الله السيرافي

281

شرح كتاب سيبويه

أبا لك ، فليس في هذا كلّه إلا الرفع ، ولا يجوز نصبه على مذهب من نصب العبيد ؛ لأن هذه أشياء معلومة فلا يجوز حملها على المصدر المبهم ، ويحتمل قولك : أما أبوك فلا أبا لك معنيين : أحدها : أن تجعل أباه غير فاعل به ما يفعله الآباء من النصرة له والبرّ به . وإمّا أن تكون حال عرضت لأبيه أعجزته عن ذلك ، وهكذا قولهم : أمّا النصرة فلا نصرة لك ، إمّا أن يكون منع منها ومن منافعها ، أو تغيرت هي في نفسها فبطل منافعها . وقوله : ( وسمعنا من العرب من يقول : أمّا ابن مزنيّة ؛ فأنا ابن مزنيّة ؛ كأنه قال : أما ابن مزنيّة فأنا ذاك ، فجعل الآخر الأول كما كان قائلا ذلك في الألف واللام : أما ابن المزنيّة فأنا ابن المزنيّة ، وإن شئت نصبته على الحال كما قلت : أمّا صديقا فأنت صديق ، فإنه يريد : أنك إن شئت جعلته مبتدأ وخبرا ، كأنه قال : أما ابن مزنيّة فأنا هو ، وأنا ذاك ، وإن شئت نصبته حالا على التفسير المتقدم ) . وقوله : ( وأمّا قول الناس للرجل : أمّا أن يكون عالما فهو عالم وأما أن يعلم شيئا فهو عالم ، فقد يجوز أن تقول : أمّا أن لا يكون يعلم فهو يعلم وأنت تريد أن يكون ، كما جاءت : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ " 1 " في معنى لأن يعلم أهل الكتاب . فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر ، لأنّ أن مع الفعل الذي يكون صلة بمنزلة المصدر ، كأنّك قلت : أمّا علما وأمّا كينونة علم فأنت عالم . ألا ترى أنّك تقول : أنت الرجل أن تنازل أو أن تخاصم ، كأنّك قلت نزالا وخصومة ، وأنت تريد المصدر الذي في قوله فعل ذاك مخافة ذاك . ألا ترى أنك تقول : سكتّ عنه أن أجترّ مودّته ، كما تقول : اجترار مودّته . ولا تقع أن وصلتها حالا يكون الأوّل في حال وقوعه ، لأنّها إنما تذكر لما لم يقع بعد . فمن ثم أجريت مجرى المصدر الأوّل الذي هو جواب لمه ؟ ) . فإنه يريد : أنك إذا أدخلت أن بعد أمّا فهي وما بعدها مصدر لا تكون في معنى الحال ، ولا مصدرا يعمل فيه الفعل الذي هو من لفظه ، كعمل ضربت في ضربا إذا قلت ضربت ضربا ؛ لأن أن لا تدخل على هذين لأنهما للمستقبل ؛ لكون الفعل الذي بعدها مستقبلا بل يكون مفعولا له ، كقولك : كلمت زيدا لأن أجترّ مودته ، وفعلت ذلك مخافة

--> ( 1 ) سورة الحديد ، الآية : 29 .