حسن بن عبد الله السيرافي
272
شرح كتاب سيبويه
عادت الفاء إلى حكمها ، فلم يجز تقديم ما بعدها عليها ، ولو قلت : أمّا طعام زيد فلا تأكل ولم تقدّم زيدا جاز ، وحقّه أن تقدم ما تقديره أنّه يلي الفاء . وأما تقديم الظرف الذي حقّه أن يكون بعد الفاء ؛ فقولك : أمّا يوم الجمعة فلا تخرج فيه ، وتقديره : مهما يكن من شيء فيوم الجمعة لا تخرج فيه . وأما الشرط فقولك : أمّا إن جاءك زيد فأكرمه ؛ لأنّ التقدير : مهما يكن من شيء فإن جاءك زيد فأكرمه ، قال اللّه تعالى : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ " 1 " والتقدير : مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح وريحان أي : فله روح وريحان ، فهذا تمثيل ما تقدم مما بعد الفاء . وأمّا ما يكون قبل الفاء جزاء من الشّرط المحذوف بعضه المبقيّ بعضه فقولك : أمّا علما فلا علم عند زيد ؛ فالعلم منصوب بما دلّ عليه " أمّا " وتقديره : مهما يذكر زيد علما ، أي : من أجل علم وبعلم فلا علم عنده . ولا يجوز أن يكون العامل في " علما " ما بعد الفاء ؛ لأنه لا يعمل فيها قبله . ألا ترى أنك لو قلت : " لا علم عند زيد ، لم يحسن أن تقول : عند زيد لا علم ، وأصحابنا في ذلك مختلفون على مذهبين : فالمازني يجيز : أمّا زيدا فأنا ضارب ، ولا يجيز : أمّا زيدا فأنا رجل ضارب ، وذلك أنك لو نزعت أمّا والفاء فقلت : أنا ضارب زيدا لجاز تقديم زيد على أنا ؛ ولقلت : زيدا أنا ضارب ، ولا يجوز : زيدا أنا رجل ضارب ؛ لأن ضاربا نعت لرجل ، وضارب في موضعه فلا يجوز تقديمه على ما قبل المنعوت ، كما لا يجوز أن تقدّم ما عمل فيه النعت على المنعوت ، وهذا أصل البصريين ، وسيمر بك في موضعه . وكان المازنيّ يقول : إن الذي يجوز فيه تقديمه على الفاء هو الذي يجوز أن يلي الفاء ويقدّم عليها ، وما لم يجز أن يلي الفاء لم يجز تقديمه على الفاء ، فلا يجوز أن يقال : مهما يكن من شيء فزيدا أنا رجل ، وعلى هذا القياس أيضا لا يجوز : أمّا زيدا فإنّي ضارب ؛ لأنّك لا تقول : زيدا إنّي ضارب ؛ لأن خبر إنّ لا يعمل فيما قبله ، وأجاز أن
--> ( 1 ) الآيتان 88 ، 89 من سورة الواقعة ، وبداية الآية 88 جاءت مكتوبة في الأصل هكذا : " وأمّ " وهو خطأ ، والصحيح ما أثبتناه .