حسن بن عبد الله السيرافي
267
شرح كتاب سيبويه
التي بعدها ، ولم يورد الزجّاج هذا على نفسه ، ولعل المجيب عنه يقول : إن ألف الاستفهام لمّا كانت طالبة للفعل وفي الجملة تقدير فعل قدّم ، وفي ذلك نظر واللّه الموفق . هذا باب ما يكون المصدر فيه توكيدا لنفسه نصبا ( وذلك قولك : له عليّ ألف درهم عرفا ، ومثل ذلك قول الشاعر وهو الأحوص : أصبحت أمنحك الصدود وإنّني * قسما إليك مع الصدود لأميل " 1 " وإنما صار توكيدا لنفسه ؛ لأنه حين قال : له عليّ فقد أقرّ واعترف ، وحين قال : لأميل ، علم أنه قد حلف ولكنّه قال عرفا وقسما توكيدا ، كما أنه إذا قال : سير عليه ؛ فقد علم أنه كان " سير : ثم قال : سيرا توكيدا ) . قال أبو سعيد : الفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله في جعله الباب الأول توكيدا لما قبله ، وجعله هذا الباب توكيدا لنفسه أن الباب الأول إذا قال : هذا عبد اللّه حقّا ، أنّ قوله : هذا عبد اللّه من قبل أن تذكر حقّا يجوز أن يظنّ أن ما قاله حقّ وأن يظن أن ما قاله باطل فتأتي ب ( حقّا ) لتجعل الجملة مقصورة على أحد الوجهين المحتملين عند السامعين ، وقوله : له عليّ ألف درهم اعتراف حقا كان أو باطلا فصار هذا تأكيدا لنفسه ، لأنه توكيد اعترف الذي هو معنى الكلام الظاهر هو لفظ اختصاص جعل الآخر عامّا ، وإنما قال قسما ؛ لأن التقدير : وإنني إليك مع الصدود لأميل ، ظاهر هذا قسم كما أن ظاهر " له عليّ ألف درهم " اعتراف ، فتدخل الألف واللام في هذا التوكيد كدخولهما في هذه المصادر المتمكنة التي تكون بدلا من اللفظ بالفعل كدخولهما في الأمر نحو : الضّرب زيدا ، والنهي نحو " الحذر " كقولك : إنما أنت السير السير ، والاستفهام كقولك : القيام وقد قعد الناس ؟ ( وتجوز إضافة المصدر المؤكد في هذا الباب ، والإضافة فيه بمنزلة الألف واللام ؛ كقوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ " 2 " ) الشاهد فيه : صنع اللّه ، لأن ما قبله صنع للّه في الحقيقة ، وكذلك قوله : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ
--> ( 1 ) ديوانه : 166 ؛ الأغاني 21 : 108 ؛ خزانة الأدب 8 : 177 ، 9 : 162 . ( 2 ) سورة النمل ، الآية : 88 .