حسن بن عبد الله السيرافي

167

شرح كتاب سيبويه

وقد جعلن في معنى " هلّا " فصحّ ما ذكرناه من موضوع هذه الحروف . فإن قال قائل : هذه حروف وضعن للأفعال لما فيها من معنى التحضيض فكيف حسن أن تخزل أفعالها ويليها الاسم ، ولا يجوز ذلك في قد وسوف وسائر الحروف الموضوعة للفعل ، لأنك لا تقول قد زيدا ، ولا سوف زيدا بمعنى : قد ضربت زيدا وسوف أضرب زيدا . قيل له : هذه الحروف الأربعة لما كانت في معنى التحضيض نابت عمّا بعدها من الفعل واستغني عنه ، وأمّا قد وسوف فإنهما يغيّر ان معنى الفعل المطلق ويقصرانه على معنى بعينه ، لأنّ سوف تقصر الفعل على المستقبل وتخرجه عن الحال ، و " قد " لما يتوقع من الفعل فصار بمنزلة الألف واللام للتعريف ، فكما أنّ الألف واللام لا يفارقان ما دخلتا عليه ولا يحذف ما بعدهما ، كذلك قد وسوف وسائر الحروف الداخلة على الفعل من عوامله فهي تضعف عن حذف ما بعدها ، لأن الحذف دلالة على قوة العامل ، وقد مضى نحوه . قال سيبويه : ( وإن شئت رفعت فقد سمعنا رفع بعضه ) . يعني أنه " يجوز هلّا خير من ذلك " على إضمار شيء يرفع ، كأنك قلت : " هلا كان منك خير من ذلك " أو " هلّا فعل خير من ذلك " . قال : ومن ذلك قولك : ( " أو فرقا خيرا من حبّ " وإنما حمله على الفعل لأنه سئل عن فعله فأجابه على الفعل الذي هو عليه ، ولو رفع جاز كأنه قال : أو أمري فرق خير من حب ، وإنما انتصب نحو هذا على أنه يكون الرجل في فعل فيريد أن ينقله أو ينتقل إلى فعل آخر ، فمن ثمّ نصب " أو فرقا " لأنه أجاب على أفرق وترك الحبّ ) . وإنما هذا كلام تكلم به رجل عند الحجّاج ، وذلك أنه كان قد فعل له فعلا فاستجاده فقال الحجاج : " أكلّ هذا حبا " أي فعلت كلّ هذا حبّا لي ؟ فقال الرجل مجيبا له : " أو فرقا خيرا من حبّ " أي : أو فعلت هذا فرقا ؛ فهو أنبل لك وأجلّ . ثم ذكر أشياء منصوبة بأفعال مضمرة ، وقد يجوز رفعها بإضمار ما يرفع ، وبعضه مجرور بإضمار ما يجرّ على ما تقدّم تفسيره من هذا الباب ، فمن ذلك : أن يقدم رجل من سفر فتقول : خير مقدم ؛ على معنى : قدمت خير مقدم ، ويجوز أن تقول : خير مقدم ؛ على معنى : قدومك خير مقدم .