حسن بن عبد الله السيرافي
72
شرح كتاب سيبويه
" أعشرون غلاما لك " " أثلاثون مالك ؟ " فتغنى عن حرف الاستفهام والاسم الذي بعده . والثاني : أنها تقع في الخبر موقع ربّ ، وربّ حرف فضارعتها كم في الخبر فبنيت وهي - أعني وكم - في هذين الموضوعين تقع صدر الكلام ؛ لأنها وقعت موقع شيئين يقعان صدر الكلام إلا أنها وإن وقعت موقع ربّ فإنها نقيضة ربّ في القلة والكثرة ، لأن ربّ يقلل بها ما بعدها ولم يكثر بها ما بعدها ، فإن قال قائل : لم وقعت رب في صدر الكلام وهي من حروف الجر ، وحروف الجر لا يقعن صدرا لأنهن يوصلن الأفعال إلى ما بعدهن ؟ فالجواب في ذلك وباللّه التوفيق ، أن رب قد ضارعت حرف النفي وهي لا التي تنفي الجنس ومضارعتها إياها أنها تقلل ، والتقليل يشبه النفي فجعلت صدرا كما جعلت لا صدرا . ومما يدل على أن التقليل يشبه النفي أنهم قد يستعملون التقليل في معنى النفي البتة ، من ذلك قولهم : " قل من يقول ذلك إلا زيد " " وأقل رجل يفعل ذلك إلا زيد " يريدون لا يقولون ذاك ولا يفعل ذاك إلا زيد . وقال الشاعر : أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الأصوات إلّا بغامها " 1 " أراد ليس بها أصوات إلا بغامها . فإن قال قائل : ولم جعلتم كم بمحل رب واقعة موقعها وقد زعمتم أنهما نقيضتان ؟ فالجواب في ذلك أن كل جنس فيه قليل وكثير لا يخلو جنس من ذلك ، فالجنس يشمل القليل والكثير ويحيط بهما ويقعان تحته فليس يخرج أحدهما كثرته من جنس الآخر ؛ لأنهما معا يقعان تحت كل جنس ؛ ولأن الكثير مركب من القليل ؛ والقليل بعض الكثير . ولكم أحكام ستبين في مواضعها ، إلا أن الغرض المقصود هاهنا الإبانة من علة بنائها ، وقد أبنّاها . وأما قط فهي مسكنة مبنية على ذلك ، والذي أوجب بناءها على ذلك أنها اسم وقع موقع فعل الأمر في أول أحواله ، وفعل الأمر مبني على السكون فبني قط لذلك ، وذلك قولك : قطك درهمان ؛ يريد ليكفك درهمان واكتف بدرهمين ، ونحو ذلك من
--> ( 1 ) البيت لذي الرمة في ديوانه 638 ، وسيبويه 1 / 370 .