حسن بن عبد الله السيرافي

70

شرح كتاب سيبويه

يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ " 1 " والذي يمشي على بطنه ليس مما يعقل ولا الذي يمشي على أربع ، لأن الذي يمشي على بطنه هو ما ينساب من الحيات ونحوها ، والذي يمشي على أربع نحو الخيل والبغال والحمير والأنعام وسائر ذوات الأربع ؟ قيل له : إنما جاز إجراء " من " على هذه الأشياء وإن لم تكن مما يعقل لما خلطن بمن يعقل وذكرن معه ، كقول لبيد : فعلا فروع الأيهقان وأطفلت * بالجلهتين ظباؤها ونعامها " 2 " والنعام لا تطفل وإنما تبيض ، فكأنه قال : وباضت نعامها ، وقال آخر : علفتها تبنا وماء باردا * حتى شتت همّالة عيناها " 3 " والماء البارد لا يعلف ولكنه قد دل العلف على السقي فكأنه قال وسقيتها ماء باردا ، وقال آخر : يا ليت زوجك قد غدا * متقلدا سيفا ورمحا " 4 " فالرمح لا يتقلد ولكن لما كان تقلد السيف هو حمله فكأنه قال حاملا سيفا ورمحا . وكذلك يجعل ( من ) في معنى الذي ، فكأنه قال : الذي يمشي على بطنه ، وإنما سوغ ذلك حين قال : " فمنهم " لأنه إذا جمع كناية ما يعقل وما لا يعقل كان على لفظ كناية ما يعقل ، فلما كان الجمع الذي فيه ما يعقل وما لا يعقل كنايته على مثل كناية الجمع الذي ليس فيه ما لا يعقل ، كان تفصيل الجمع الذي فيه ما يعقل وما لا يعقل على مثال الجمع الذي فيه ما لا يعقل ، فلما قال عز وجل : " فمنهم " صاروا كأنهم كلهم يعقلون ، فأجرى على كل واحد منهم " من " في التفصيل . وأعلم أن من لفظها واحد مذكر إلا أنها تقع على الواحد والاثنين والجماعة من المؤنث والمذكر ، فإذا وقع على كل شيء من ذلك كنت فيه بالخيار ، وإن شئت أجريت اللفظ عليها في نفسها ، وإن شئت على معناها في التثنية والجمع والتأنيث ، تقول : " من الناس من يكرمك " " وإن شئت من يكرمونك " إذا أردت الجماعة ، وإذا أردت الاثنين

--> ( 1 ) سورة النور ، آية 45 . ( 2 ) البيت في شرح القصائد السبع في معلقة لبيد 524 . ( 3 ) البيت بلا نسبة في معاني القرآن 1 / 14 ، ولسان العرب ( زجج ) وخزانة الأدب 1 / 499 . ( 4 ) البيت لعبد اللّه بن الزبعري في معاني القرآن 1 / 121 ، وخزانة الأدب 1 / 330 .