حسن بن عبد الله السيرافي
55
شرح كتاب سيبويه
المقصود ، ألا ترى أنك لو قلت : أأسود زيد ؟ أم أبيض ؟ أم أشقر ؟ جاز أن يكون على لون خلاف هذه الثلاثة ، فلا يجب على المسؤول إجابتك عنه ولا شرحه لك ؛ لأنك لم تأت بلفظ يقتضي جوابه ، فجاءوا بكيف مشتملة على الأحوال كلها جملة وتفصيلا ، ووقعت موقع الحال متضمنة ألف الاستفهام فوجب بناؤها على السكون والتقى في آخرها ساكنان : الياء والفاء ، فحركوا الفاء إلى الفتح استثقالا للياء والكسرة ، وقد بيّنا هذا مستقصى في أين . فإن قال قائل : أليس إذا قلنا : أين زيد ؟ وجب على المسؤول أن يخبر عن مكانه الذي هو فيه لا يجزم شيئا مما اشتملت عليه المسألة إذا أراد أن يوفيها حقها . قيل له : نعم ، فإن قال : فينبغي إذا قيل : كيف زيد ، أن يجيبه عن أحواله التي هو عليها في وقت المسألة ، لأن له أحوالا كثيرة ، قيل له قد - لعمري - يجب ذلك في ظاهر المسألة كما وجب في " أين " ، وكما يجب في " متى " ، إلا أن الشيء لا يكون له إلا مكان واحد في حال المسألة ، وكذلك لا يكون له إلا وقت واحد في حال المسألة ، فالجواب منه يمكن غير متعدد ولا مستثقل ، ويكون له أحوال كثيرة لا يأتي المحصي على تعدادها في حالة واحدة إلا بعد طول ومشقة ، ألا ترى أنه في وقت واحد : أسود طويل صحيح متكلم سميع بصير ؛ وغير ذلك من الأحوال ، ولا يكون في حال واحد في السوق وفي المسجد ، ولا يحدث الشيء الواحد في زمانين مختلفين حدوثا واحدا ، فيجب أن يكون الجواب لكيف ما يقّر المسؤول أنه غرض السائل من أحوال المسؤول عنه . فإن قال قائل : ألستم تقولون : من أين جئت ؟ وإلى أين تذهب ؟ وكذلك : منذ متى ؟ وإلى متى ؟ فتدخلون حروف الجر على الأسماء المستفهم بها ، فلم امتنع دخول ذلك على كيف ؛ فتقولون : من كيف ، وإلى كيف ، فالجواب في ذلك - وباللّه التوفيق - أن " أين " لما كانت استفهاما عن الأمكنة ونائبة عن اللفظ بها ، وكنا متى ذكرنا الأمكنة جاز أن يدخل عليها الحروف فنقول : أمن السوق جئت أم من البيت ؟ وإلى السوق تذهب أم إلى المسجد ؟ جاز أن تدخلها على ما قام مقام هذه الأشياء التي يجوز دخول الجر عليها ، وكذلك سائر الأشياء المستفهم بها ، هي نائبة عن أسماء تدخل عليها حروف الجر فجاز أن تدخل الحروف عليها هي . وأمّا " كيف " فإنما هي مسألة عن الأحوال ، والأحوال لا يجوز دخول حروف الجر