حسن بن عبد الله السيرافي

385

شرح كتاب سيبويه

مَنازِلَ " 1 " بالرفع ، وقوله تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ " 2 " بالنصب ، وذلك أن قبل قوله : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ، قوله : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ " 3 " فالجملة التي قبل " القمر " صدّر فيها اسم لا فعل ، والجملة التي قبل قوله : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ " 4 " ، قد صدر فيها الفعل ، فعطف كل واحدة من الجملتين على ما يشاكلها من الجملة التي قبلها . قال سيبويه : ( وإنما اختير النصب ها هنا ؛ لأن الاسم الأول مبني على الفعل ، فكان بناء الآخر على الفعل أحسن عندهم ، إذ كان يبني على الفعل ، وليس قبله اسم مبني على الفعل ) . يعني : لما كانوا يقولون : " زيدا ضربته " ، فينصبون " زيدا " بفعل مضمر ، وليس قبله اسم قد عمل فيه الفعل ، كان نصبه إذا تقدمه اسم يعمل فيه الفعل أولى . قال : ( ليجري الآخر على ما جرى عليه الذي قبله ، إذ كان لا ينقض المعنى لو لم تبنه على الفعل ) . يعني : لو قلت : " رأيت عبد اللّه ، وزيد مررت به " ، لكان معناه كمعناه ، إذا قلت : " وزيدا مررت به " ، فإذا استوى المعنيان ، وكان في أحد اللفظين مشاكلة ما قبله كان أولى . قال : ( وهذا أولى أن يحمل عليه ما قرب جواره منه ، إذ كانوا يقولون : " ضربوني وضربت قومك " ) . يعني : أن قولنا : " رأيت عبد اللّه ، وزيدا مررت به " ، أولى بعطف الثاني على الأول في تقديم الفعل لطلب حمل الشيء على مجاوره ، وإيثار تطابق اللفظين من قول العرب " ضربوني وضربت قومك " ؛ لأن قولك : " ضربوني " فيه إضمار قبل الذكر ، وأعملوا الفعل الثاني في " قومك " ؛ لأنه يليه ويقرب منه ؛ فإذا كان قد حملهم حمل الشيء على مجاوره على أن احتملوا الإضمار قبل الذكر ، كان حمل الجملة الثانية على الفعل لمطابقة الجملة الأولى أولى .

--> ( 1 ) سورة يس ، آية : 39 . ( 2 ) سورة الإسراء ، آية : 13 . ( 3 ) سورة يس ، آية : 37 . ( 4 ) سورة الإسراء ، آية : 12 .