حسن بن عبد الله السيرافي
38
شرح كتاب سيبويه
ذكرناه كان النهي مثله . وأما حروف المجازاة والشرط فإنما جزمت ما بعدها ؛ لأنها محتاجة إلى أجوبة من أفعال وجمل ، فاستطالوا الكلام فأعطوه الجزم تخفيفا له ؛ من أجل طوله ، وذلك أنك إذا قلت : " إن تكرمني " لم يكن كلاما تاما ، حتى تجيء له بجواب فتقول : " أكرمك " ، أو فأنا مكرم لك أو نحو ذلك من الأجوبة ، فلذلك آثروا الجزم ، واللّه أعلم . فإن قال قائل : إذا قلتم : " إن تكرمني أكرمك " بما ذا جزمتم الأول والثاني ؟ قيل له . أما الأول فلا اختلاف بين أصحابنا - أعلمه - في أنه مجزوم " بأن " واختلفوا في الجواب على ثلاثة أنحاء : فكان أبو العباس محمد بن يزيد " 1 " يقول : إنه جزم بأن والفعل الذي بعدها جميعا ، وإنهما عاملان فيه ، وكان يقول : هو بمنزلة الخبر والابتداء ، والعامل والمبتدأ الرافع له الابتداء ، والابتداء والمبتدأ عاملان في الخبر ، وكذلك " إن " هي العاملة فيما بعدها ، وهي وما بعدها عاملان في الجواب ، وحجته في ذلك أن الثاني الذي هو الجواب - لا يصح أن يتقدم الأولين ، فلا جائز لأحد أن يجعل العامل أحد الأولين إلا جاز لآخر أن يضادّه في دعواه ، وليس أحدهما أولى من صاحبه بالعمل في الجواب فجعلنا العامل اجتماعهما جميعا ؛ من حيث لا يصح الثاني الذي هو الجواب إلا بتقدم الأولين واجتماعهما . والقول الثاني : أنّ " إن " هي العاملة في الشرط والجواب جميعا ، كما يعمل الفعل في الفاعل والمفعول به جميعا ، إلا أن العوامل تختلف إعمالها ومعمولاتها ، فمنها ما يعمل فيه بأن يكون إلى جنبه وملاصقا له . ومنها ما يعمل فيه بواسطة بينهما . وقد كان بعض أصحابنا يشبه هذا بالنار التي تعمل فيما في القدر يتوسط القدر بينهما ، وتؤثر فيه تأثيرا ما ، وتؤثر في القدر الإحماء والتسخين ، فقد أثرت في القدر بلا واسطة ، وأثرت فيما فيها بواسطة ، وهي القدر ، وهذا تقريب ، وجملة الاعتلال لهذا القول ، أنا رأينا الأول ينجزم بالحرف فقط ، بلا اختلاف وكذلك الجواب ينجزم بمثل ما انجزم به الشرط ، إلا أن الحرف الذي يعمل فيهما ، يقبل في كل شيء ، منهما في موضعه الذي رتب فيه لمعناه .
--> ( 1 ) أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي ، المعروف ب ( المبرد ) . توفي سنة 285 ه . نزهة الألباء 217 .