حسن بن عبد الله السيرافي
357
شرح كتاب سيبويه
الغسل ، فجعل " ما " بمنزلة الغسل ولم يصلها ، لأن " نعم " إنما يليها المبهم ، فجعل " ما " بعدها غير موصولة . ومن ذلك قول العرب : " إني مما أن أصنع " أي من الأمر أن أصنع ، فجعل " ما " وحدها في موضع الأمر ولم يصلها بشيء ، وتقدير الكلام إني من الأمر صنعي . كذا . . . وكذا . . . ؛ فالياء اسم " إن " و " صنعي " مبتدأ ، و " من الأمر " خبر صنعي والجملة ، في موضع خبر " إن " . قال سيبويه : ( ولا يجوز أن تقدم " عبد اللّه " وتؤخر " ما " ولا تزيل شيئا عن موضعه ، فلا تقول فيه : " ما يحسن " ، ولا شيئا مما يكون في الأفعال سوى هذا ) . قال أبو سعيد : يعني لا تقول : " عبد اللّه ما أحسن " ، ولا " ما عبد اللّه أحسن " كما تقول : " عمرا زيد أكرم " ، و " زيد عمرا أكرم " ؛ لضعف فعل التعجب ، إذا فصلت بين فعل التعجب وبين المتعجب منه . وكثير من أصحابنا يجيز ذلك منهم : الجرمي ، وكثير منهم يأباه ؛ منهم : الأخفش ، وأبو العباس المبرد ، وذلك قولك : " ما أحسن في الدار زيدا " . فاحتج الذين لم يجيزوه بأن قالوا : التعجب كالمثل ، والألفاظ فيه مقصورة على منهاج واحد ، وإن كان يجوز في غيره من العربية تغيير مثله ، وتقديمه ، وتأخيره ، فلما جاء كالمثل - والأمثال لا تغير - لم يغير . واحتج الذين أجازوا الفصل بأن قالوا : رأينا " إن " حرفا مشبها بالفعل ، ورأينا فعل التعجب فعلا ناقص العمل والتصرف ، وليس يبلغ من نقصان تصرفه أن يصير أضعف من " إن " التي ليست بفعل ، وقد رأينا الفصل في " إن " جائزا بينها وبين الاسم بالظروف في قولك : " إن فيها زيدا " فكذلك قولك : " ما أحسن فيها زيدا " ، ويدل على جواز ذلك أيضا قولهم : " ما أحسن بالرجل أن يصدق " ، وتقديره : ما أحسن بالرجل الصدق ، وقد فصل بين " أحسن " ، وبين " الرجل " بالباء . وقول سيبويه : ( ولا تزيل شيئا عن موضعه ) . إنما أراد أنك تقدم " ما " وتوليها الفعل ، ويكون الاسم المتعجب منه بعد الفعل ، ولم يعرض الفصل بين الفعل والمتعجب منه . ولا يجوز التعجب بلفظ المستقبل ، لأنه مدح ، وإنما يمدح الإنسان بما عرف به ، وثبت فيه . قال سيبويه : ( وبناؤه أبدا من فعل ، وفعل ، وفعل ، وأفعل ) .