حسن بن عبد الله السيرافي

353

شرح كتاب سيبويه

بمنزلة " ليس " ، وقد قدمنا في " ليس " أنه لا يجوز أن يليها منصوب بغيرها . وأما على لغة بني تميم فجائز أن تقول : " ما زيدا أنا ضارب " ؛ لأنهم لا يعملونها فتصير بمنزلة قولك : " أما زيدا فأنا ضارب " ، وكقولك في المبتدأ : " زيدا أنا ضارب " . وقال مزاحم العقيلي : وقالوا تعرّفها المنازل من منّي * وما كلّ من وافى منّي أنا عارف " 1 " وقال بعضهم : وما كلّ من وافى مني أنا عارف لزم اللغة الحجازية ، فرفع كأنه قال : " ليس عبد اللّه أنا عارف " . قال : ( فأضمر الهاء في " عارف " ، وكان الوجه : أنا عارفه ، حيث لم يعمل " عارف " في " كل " ، وكان هذا أحسن من التقديم والتأخير ؛ لأنهم يدعون هذه الهاء في كلامهم وفي الشعر كثيرا ، وليس ذلك في شيء من كلامهم ، ولا يكاد يكون ذلك في شعر ، وسترى ذلك إن شاء اللّه تعالى ) . واعلم بأن البيت يروى بنصب " كل " ، وبرفعه . فأما من نصب " كلا " ، فقد جعل " ما " تميمية ، وأبطل عملها ، ونصب " كلا " " بعارف " . ومن رفع " كلا " ، جعل " كلا " اسم " ما " ، على لغة أهل الحجاز ، ورفع " كلا " ب " ما " ، وجعل " أنا عارف " في موضع الخبر ، وأضمر الهاء في " عارف " ، حتى يكون في الجملة ما يعود على الاسم ، فيصح أن يكون خبرا ، كأنه قال : " أنا عارف " ، وفي لغة بني تميم إذا رفع " كل " ، رفع بالابتداء ، و " أنا عارف خبر وفيه الهاء . وقوله : ( وكان هذا أحسن من التقديم والتأخير ) . يعني : أن رفع " كل " ب " ما " على لغة أهل الحجاز ، وإضمار الهاء في خبرها أحسن من أن ينصب " كلا " ب " عارف " في لغتهم فيولي " ما " منصوبا بغير " هاء " ؛ لأن حذف إضمار الهاء من الخبر كثير ، وليس إيلاء " الناصب " منصوبا بغيره في شيء من الكلام . وسترى حذف الهاء من الخبر - فيما بعد - إن شاء اللّه تعالى .

--> ( 1 ) ديوان مزاحم بن الحارث 28 ق 6 . المغني 2 / 694 ، شذور الذهب 173 .