حسن بن عبد الله السيرافي
30
شرح كتاب سيبويه
قيل له : من قبل أن وقوعه موقع الاسم ، ليس بعامل لفظي ، فأشبه الابتداء الذي ليس بعامل لفظي . فإن قال قائل : فإذا زعمتم أن الأفعال ترتفع بوقوعها مواقع الأسماء ، فلم قلتم : " كاد زيد يقوم " ، و " جعل زيد يقول " ، و " أخذ زيد يقول كذا وكذا " ، وهذه مواضع لا تقع الأسماء موقعها ، لا تقول : " كاد زيد قائما " ولا " جعل زيد قائلا " ، ولا " أخذ زيد ذاهبا " ؟ قيل له في ذلك وجوه : منها أن " كاد زيد يقوم " في موضع " كاد زيد قائما " ، وإن كان لا يستعمل الاسم بعده ، كما أن قولك : " عسى زيد أن يقوم " في تقدير " عسى زيد القيام " ؛ لأن أن الخفيفة والفعل ، بمنزلة المصدر ، وفي تقديره وإن كان المصدر غير مستعمل في " عسى " ، وكما أن قولك : " لا تأتني فأشتمك " ينتصب على تقدير : فأن أشتمك ولا يجوز إظهاره والتكلم به ، وإن كان الفعل معربا على تقديره ، كذلك الفعل في " كاد " مرفوع على تقدير وقوعه موقع الاسم ، وإن كان الاسم لا يجوز استعماله وإظهاره فيه . ومنها أن ارتفاع الفعل - في هذه المواضع التي ذكرناها - غير ناقض لما أصّلناه ؛ وذلك أنا إذا قلنا : إن الفعل يرتفع ، بوقوعه موقع الاسم فلا يلزمنا بهذا ألا يرتفع إلا بوقوعه موقع الاسم ، كما أن نقول : إن الفعل ينجزم بلم ، وينتصب بلن ، ولا يلزمنا ألا ينجزم إلا بلم ولا ينتصب إلا بلن ، وذلك إنا إذا ذكرنا أحد العوامل في رفع ، أو نصب ، أو جزم ، لم يلزم ألا يكون في الكلام عامل غيره لذلك الشيء ، ولكن يجب متى جعلنا عاملا لشيء من الإعراب في حال ، أن نجعله عاملا أين وجد على تلك الشريطة ، وبذلك الوصف . فإن قال قائل : فهبكم غير ناقضين لما أصلتم ، ولا تاركين لما قلتم ، فلم رفعتم الفعل بعد " كاد " وأخواته اللاتي ذكرناها ؟ قيل له في ذلك - غير ما تقدم - وجهان آخران : أحدهما : أن " كاد " لما لم يكن عاملا في الفعل تعرّى الفعل من العوامل اللفظية ، فناسب الأفعال التي تقع مواقع الأسماء ، في تعرّيها من ذلك ، فرفع بهذه المناسبة . والوجه الثاني : أن " كاد " لا تستغنى باسمها - إذا أردت هذا المعنى - ولا أخواتها ، فأشبه " كان " وأخواتها ، و " إن " وأخواتها ، وكل ما يحتاج إلى خبر ، فرفع الفعل الذي لا يستغني اسم " كاد " عنه ، كما رفع في " كان " وأخواتها ، وسائر ما ذكرنا .