حسن بن عبد الله السيرافي

280

شرح كتاب سيبويه

ومنّا الذي اختير الرّجال سماحة * وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع " " 1 " فهذا البيت شاهد لقولنا : " اخترت الرّجال زيدا " ؛ ولذلك أنّك لو رددت هذا إلى ما لم يسمّ فاعله قلت : " اختير زيد الرّجال " ، فإن قدّمت قلت : " زيد اختير الرّجال " وقوله : " منّا الذي اختير " في " اختير " ضمير قد أقيم مقام الفاعل يعود على الذي ، والرجال المفعول الثاني . قال الفرزدق : نبّئت عبد اللّه بالجوّ أصبحت * كراما مواليها لئيما صميمها " 2 " مستشهدا لما قدّم من حذف " عن " في قوله : " نبّئت زيدا " في معنى " نبّئت عن زيد " . وقد أنكر قوم هذا فقالوا : " نبّئت زيدا فعل كذا " بمعنى " أعلمت زيدا فعل كذا " ، ونحن إذا قلنا : " أعلمته زيدا قائما " فليست " عن " مقدرة ، وكذلك هي غير مقدّرة ، في قولك : " نبّئت زيدا " . فالجواب في هذا أن " نبّئت " وإن كانت تجري مجرى " أعلمت " في العمل ، ويتقارب معناهما ، فليست هي " أعلمت " ؛ وذلك أن " نبّئت " مأخوذ من " النّبأ " و " النّبأ " هو الخبر لا العلم ، بإجماع أهل اللغة ، والخبر يتعدّى بعن ، ألا ترى أنك تقول : " هذا خبر عن زيد " ، إذا أخبرك به مخبر عنه بخبر ما ، فكذا " هذا خبر عن دارك وعن أمرك " ، وما أشبه ذلك ، فأصل النبأ يصل بعن ، وإن حذفت في بعض المواضع . و " عبد اللّه " في البيت : قبيلة ، فلذلك أنّث مواليها وصميمها ، فاعرف ذلك إن شاء اللّه تعالى . هذا باب الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحد المفعولين " وذلك قولك : حسب عبد اللّه زيدا بكرا ، وظنّ عمرو خالدا أباك ، وخال عبد اللّه زيدا أخاك ، ومثل ذلك : رأى عبد اللّه زيدا صاحبنا ، ووجد عبد اللّه زيدا ذا الحفاط " .

--> ( 1 ) البيت في ديوانه 516 ، وسيبويه 1 / 18 ، والخزانة 3 / 669 ، وبلا نسبة في ابن يعش 8 / 51 . ( 2 ) البيت منسوب للفرزدق في سيبويه 1 / 18 ، ولم نقف عليه في ديوانه .