حسن بن عبد الله السيرافي

271

شرح كتاب سيبويه

قال سيبويه : " وقد قال بعضهم : ذهبت الشّأم ، وشبهه بالمبهم ، إذ كان مكانا وكان يقع عليه المكان والمذهب . وهذا شاذ ؛ لأنه ليس في " ذهب " دليل على " الشّأم " وفيه دليل على المذهب والمكان . ومثل " ذهبت الشّأم " : " دخلت البيت " . قال أبو سعيد : قد قدمنا أن الأماكن المختصة التي لا تقع ألفاظها على كل مكان لا تستعمل ظروفا ، فكان من حكم الشّأم أن لا يستعمل ظرفا ؛ لأنه اسم لبقاع بعينها ، فلما قالت العرب : " ذهبت الشّأم " وحذفوا حرف الجر ، وهو " في " أو " إلى " علمنا أن ذلك شاذ خارج عن القياس الذي ذكرناه ، إذ كان حكمه أن يقول : " ذهبت إلى الشّأم " و " ذهبت في الشّأم " ، وهو الأكثر في كلامهم ، إلا أن الذين تكلموا بالشاذ الذي ذكرناه ، قد ذهبوا فيه مذهبا ، وإن كان ضعيفا ، وذلك المذهب هو أنك تعلم أن كلّ بقعة ، وإن اختصت باسم ما ، كنحو : " المسجد " و " الدّار " فله اسم يشاركه فيه سائر البقاع نحو : " مكان " و " موضع " ، ألا ترى أن " المسجد " هو مكان ، وإن كان مسجدا ولو قال قائل : " قمت مكانا طيّبا " ، وهو يعني المسجد ، جاز ؛ لأنه أتى باللفظ الذي يشاركه فيه غيره ، فكذلك الشأم هو مكان ، فإذا قال قائل : " ذهبت الشّأم " وجعله ظرفا من حيث كان مكانا ، وإن لم يأت بلفظه ، جاز ، وهذا لا يقاس عليه ، كما لا يقاس على وضع الأسماء . ومما لفظ بلفظ فيه ، وأجري على معناه ، لا على حقيقة اللفظ قوله : فإنّ كلابا هذه عشر أبطن * وأنت بريء من قبائلها العشر فقال : عشر أبطن . وحكمه أن يقول : عشرة أبطن ؛ لأن البطن مذكّر ، ولكنه ذهب بها مذهب القبائل ؛ لأنها قبائل . وقال بعض النحويين : إنما قالت العرب هذا في الشّأم ؛ لأن معناه : " اليسار " وبه سمّي لأنه شأمة كقولك : " يسره " ولو قلت " ذهبت الشّأمة " و " اليسار " جاز . قال : ومثل هذا : " اليمن " ؛ لأنهم يريدون به اليمين واليمنة فأجاز أن تقول : ذهبت اليمن ، ولم يجز ذلك في " عمان " و " مكّة " ؛ لأنه ليس فيها ذلك المعنى . ولا أشباهها . ويلزمه عندي أن يجيز في " العالية " و " نجد " ؛ لأنها مأخوذة من الارتفاع وأنت لو قلت : " ذهب فلان فوق " لجاز ؛ لأنه ظرف . وقد حذفت العرب حرف الجرّ من الأماكن مع الدخول ، فقالوا : " دخلت البيت "