حسن بن عبد الله السيرافي
252
شرح كتاب سيبويه
وقد ذكر سيبويه هذه الأبيات وغيرها مما يشاكلها في باب بعد هذا . ونحن نستقصى الكلام فيها إذا صرنا إليها . واحتج أبو العباس في تجويز هذا المعنى ، وجودته في غير الشعر بقوله تعالى : فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ " 1 " فذكر أنه أجرى " خاضعين " على الهاء والميم التي أضيفت إلى الأعناق ، واعتمد على أصحابها فقال : فظلوا لها خاضعين ، فكذلك إذا قلت : شرقت صدر القناة ، كأنك لم تذكر الصدر واعتمدت على ما أضيف إليه الصدر . وهذه الآية فيها تأويلات غير ما تأول أبو العباس ، منها : أن الأعناق هم الرؤساء ، كما يقال : " هؤلاء رؤوس القوم " و " هؤلاء وجوه القوم " يراد به الرؤساء والمنظور إليهم ، وليس القصد إلى الرؤوس المركّبة على الأجساد ، ولا إلى الوجوه المخلوقة في الرؤوس ، فكأنه قال : فظلّت رؤساؤهم خاضعين . ومنها أن أبا زيد حكى وغيره أن العرب تقول : " عنق من النّاس " في معنى جماعة . قال الهذلي : تقول العاذلات أكلّ يوم * لرجلة مالك عنق شحاح كذلك يقتلون معي ويوما * أؤوب بهم وهم شعث طلاح " 2 " فجعل العنق الجماعة . وقال الشاعر في تذكير ما ينبغي تأنيثه : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها " 3 " أراد : ولا أرض أبقلت إبقالها ، وقد كان يمكنه أن يقول : ولا أرض أبقلت ابقالها ، فيخفف الهمزة غير أنه آثر تحقيقها ، فاضطره تحقيقها إلى تذكير ما يجب تأنيثه ، وتأوّل في الأرض المكان ؛ لأن الأرض مكان ، فذكّر لذلك . ومن ذلك قوله : فإمّا ترى لمّتي بدّلت * فإنّ الحوادث أودى بها " 4 "
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية : 4 . ( 2 ) البيتان في ديوان الهذليين 237 . ( 3 ) البيت لعامر بن جوين الطائي في سيبويه 1 / 240 ، والخزانة 1 / 21 ، وابن يعيش 5 / 94 ، واللسان ( ودق ) . ( 4 ) البيت للأعشى في ديوانه 120 ، وسيبويه 1 / 239 ، والخزانة 4 / 578 ، وابن يعيش 5 / 95 .