حسن بن عبد الله السيرافي
247
شرح كتاب سيبويه
أراد : متقلدا أرباق صاحب ثلّة وبهام كانت عنده ، فقدم النّعت على المنعوت ، ولم يكن النعت باسم فيقع الفعل عليه ، وهو " متقلّد " ويجعل المنعوت بدلا منه . وقال آخر : صددت فأطولت الصّدود وقلّما * وصال على طول الصّدود يدوم " 1 " ووجه الكلام ؛ وقلّما يدوم وصال على طول الصّدود ، وذلك أن الأصل في هذا أن يقال : قلّ وصال يدوم على طول الصدود ؛ لأن " قل " قبل دخول " ما " من حكمها أن لا تليها الأفعال ؛ لأنها فعل ، ولا يلي الفعل فعل ، فأدخلوا عليها " ما " ليوطئوا للفعل أن يليه ؛ لأن الفعل لا يمتنع أن يلي " ما " ، وكان الحكم أن يولوها ما دخلت " ما " من أجله ، وهو الفعل ، فلما اضطرّ قدّم الاسم الذي كان يفعل بعد " قلّ " قبل دخول " ما " وإذا قلت : " قلّ ما يدوم وصال " ؛ فإنّ " قلّ " لم تزل عن فعليتها ، غير أن الذي يرتفع بها : " ما " وهي اسم مبهم ، يجعل في هذا الموضع للزمان ، فكأنه قال : قلّ وقت يدوم فيه وصال ، ويحذف العائد كما قال اللّه تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً " 2 " يريد ، تجزي فيه نفس عن نفس . وقد يجوز في " قلّ ما " أن تجعل " ما " زائدة ، ويرتفع " وصال " بقلّ ، فكأنك قلت : قلّ وصال يدوم ، كما قال عز وجل : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ " 3 " . باب تغيير الإعراب عن وجهه قال أبو سعيد : فمن ذلك قول الشاعر : سأترك منزلي لبني تميم * وألحق بالحجاز فأستريحا " 4 " والوجه في هذا الرفع ، وذلك أن قوله : " سأترك " هو مرفوع موجب ، وما بعده معطوف عليه داخل في معناه ، فحكمه أن يكون جاريا على لفظه ، وإنما ينصب ما كان جوابا لشيء مخالف لمعناه كقولك : " ما تجلس عندنا فنحدّثك " ، وما أشبه ذلك مما يحكم في موضعه ، ولا يقال في الكلام : " أنا أجلس عندكم فأحدّثكم " إنما هو " فأحدّثكم " . وإذا اضطر الشاعر فنصب فيما ذكرنا أن الوجه فيه الرفع يؤوّل تأويلا يوجب
--> ( 1 ) البيت منسوب لعمر بن أبي ربيعة في سيبويه 1 / 12 ، وبلا نسبة في اللسان ( طول ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : 48 ؛ 123 . ( 3 ) سورة النساء ، آية : 155 . والمائدة ، آية : 13 . ( 4 ) البيت منسوب للمغيرة بن حبناء الحنظلي في خزانة الأدب 3 / 600 .